ثم بيّن مثل سبحانه لقولهم (الإثم) مثلاً بقوله وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ لا يُنفق رزقاً ولا يُعطي شيئاً كأنهم قالوا ذلك تبريراً لموقفهم البخلي، فإنّ الله لو كان لا يُنفق فأجدر بهم أن لا يُنفقوا، وقيل أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ اليهود كانوا من أكثر الناس مالاً وسِعة، فلما جاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكذّبوه ضيّق الله عليهم فقال أحد اليهود وهو "فخاض" أنّ يد الله مغلولة فردّ الله عليهم غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بأن تُغلّ أيديهم عن الخير، أو إخبار عنهم بأنّ اليهود بُخلاء لُئماء، أي أنهم غُلّت أيديهم لا الله سبحانه وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ لعنهم الله وطردهم عن رحمته بسبب هذه المقالة بَلْ يَدَاهُ ، أي يدا الله سبحانه مَبْسُوطَتَانِ كناية عن جوده وإعطائه، وإنما جاء بذِكر اليد وذَكَر (يداه) لإفادة تمام معنى الجود يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء فليس في تضييقه على اليهود دليل على أنه مغلول اليد بل إنما يُنفق سبحانه كيف يشاء حسب الحكمة والمصلحة، ثم ذَكَرَ سبحانه أنّ نزول القرآن وفضحهم يزيد كثيراً من اليهود إنحرافاً وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ، أي كثيراً من اليهود -وإنما لم يذكر كلهم لأنّ بعضهم لا يعنيه الأمر وبعضهم يسبّب القرآن هدايتهم- مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا (ما) فاعل (يزيدنّ) و(كثيراً) مفعول مقدّم، أي أنّ طغيانهم وكفرهم يزداد بسبب القرآن، أما أنّ كفرهم يزداد فلأنه كلما أنكروا آية وحُكماً إزدادوا كفراً وستراً للحق، وأما أنّ طغيانهم يزداد فلأنهم يقاومون الدعوة أكثر فأكثر كلما رأوا تقدّمها أكثر وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ، أي بين اليهود الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فإنّ طبيعتهم المتخمّرة بحب الذات وبالإعتقاد بأنهم شعب الله المختار وبُخلهم في الأمور المادية لابد وأن توجد بينهم العداوة والحزازة -ماداموا يهوداً يعتقدون بهذه الإعتقادات السخيفة- فإنّ أسباب النزاع في العالم يدور على المنصب والمادة -غالباً- وهذان كامنان في كل يهودي، وقد دلّ التاريخ على صدق ذلك فاليهود دائماً متحاربون متباغضون حتى في (فلسطين) اليوم تقوم الأحزاب اليهودية والمنظمات بأبشع أنواع العداوة والبغضاء فيما بينها -أنظر كتاب (كُتب في إسرائيل)-، وقد مرّ سابقاً تفسير (إلى يوم القيامة) وأنه كناية عن بقاء الحكم ما دام اليهود موجودين كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ ، أي كلما أرادوا محاربة المسلمين هزمهم الله ونصر المسلمين عليهم، وقد دلّ التاريخ على ذلك، فقد غلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على يهود قريضة ونضير وخيبر وفدك وغيرها مع كثرة عددها وعُددها، وبعد ذلك لم يتمكن اليهود من محاربة المسلمين حتى في يومهم هذا في فلسطين إنما يسندون إلى (حبلٍ من الناس) ثم ما هي إلا فترة حتى تراها إنقشعت إنقشاع الضباب وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا فهم مفسِدون دائماً حيث يريدون العلو على الناس وجمع أموالهم، ومن المعلوم أنّ ذلك لا يتهيّأ لهم إلا بالإفساد -أنظر كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون)- وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، أي يكرههم، إذ ملازمة بين عدم حبّه وكراهته، فإنّ كلّ مُصلح محبوب وكل مُفسِد مكروه .