۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة، آية ١٠٦

التفسير يعرض الآية ١٠٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم تعرّض سبحانه لبيان تشريع جديد وَرَدَ في قصة خاصة يرجع إلى سنّ بعض الأحكام بعدما فَرِغَ من بعض أقسام الحلال والحرام، فروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجّاراً إلى الشام تميم بن أوس الداري وأخوه عدي وهما نصرانيان وابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلماً حتى إذا كانوا ببعض الطريق مَرِضَ إبن مارية فكتب وصية بيده ودسّها في متاعه وأوصى إليهما ودفع المال إليهما وقال : أبلِغا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فلما فتّش القوم المال فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم، فنظروا إلى الوصية فوجدو المال فيها تاماً فكلّموا تميماً وصاحبه فقالا : لا علم لنا به وما دفعه إلينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنزلت الآية -وستأتي تتمة القصة- يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ مرفوع بالإبتداء خبره (إثنان)، أي إنّ الشهادة المعتبرة شرعاً فيما بينكم شهادة نفرين إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ بأن ظهرت عليه آثار الموت حِينَ الْوَصِيَّةِ ، أي في وقت الوصية اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ، أي رجلان عادلان من المسلمين أَوْ آخَرَانِ ، أي شخصان آخران لتحمّل الشهادة مِنْ غَيْرِكُمْ ، أي غير المسلمين، واو هنا للترتيب لا للتخيير إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ، أي سافرتم ولم تجدوا مسلمين للإشهاد على الوصية فاشهدوا نفرين آخرين فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ بأن ظهرت علائمه، والجملة الشرطية لتقيّد قوله (آخران) فإنّ إشهادهما مشروط بالضرب في الأرض، وهذا من باب المورد، وإلا فالمعيار عدم وجود مسلمين، وإن كان في الحضر، فإذا تحمّلا الشهادة وأرادا الإدلاء بها فهو بهذه الكيفية : تَحْبِسُونَهُمَا ، أي تقفونهما مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ ، أي صلاة العصر وذلك لاجتماع الناس وتكاثرهم في ذلك الوقت، ولعله أردع للكذب، إذ الإجتماع مما يسبّب الهيبة في قلب المدلي للشهادة فَيُقْسِمَانِ، أي الشاهدان غير المسلمين بِاللّهِ وهذا دليل على أنّ الشاهد يجب أن يكون معترفاً بالله كأهل الكتاب إِنِ ارْتَبْتُمْ ، أي شككتم في شهادتما واحتملتم التبديل والتغيير والتزييف في الأمر، وهذا شرط للقَسَم، أي إنهما يُقسِمان في حال شككتم وإلا فيدليان بالشهادة بدون القَسَم لاَ نَشْتَرِي بِهِ ، أي بما ندلي من الشهادة ثَمَنًا وهذا هو المقسَم به، فلا نغيّر الشهادة ولا نبدّل ولا نزيّف الواقع إبتغاء تحصيل ثمن، أي مال وَلَوْ كَانَ المشهود له ذَا قُرْبَى ، أي من أقربائنا، وخصّص بالذَكَر لأنّ الناس دائماً يميلون إلى أقربائهم فيشهدون بالباطل لنفعهم، وهذا كالتأكيد وإلا فليس هنا مشهوداً له، والمعنى إنّا لا ندلي شهادة باطلة حتى لأقربائنا وَلاَ نَكْتُمُ ، أي لا نُخفي شَهَادَةَ اللّهِ ، أي الشهادة التي أمَرَنا الله بأدائها، والأوصاف تعظيمية إِنَّا إِذًا لو كتمنا شهادة الله لَّمِنَ الآثِمِينَ، أي العاصين، وحاصل الحُكُم أنّ الإنسان إذا أراد أن يوصي فعليه أن يشهد على وصيته شاهدين مسلمين عادلين، فإن كان في سفر وظهرت عليه إمارات الموت ولم يكن هناك مسلمون لتحمّل الشهادة، يشهد على وصيّته شاهدين كتابيين وتُقبل شهادتهما بدون اليمين إن لم يشكّ الوارث بهما، أما إذا شكّ بهما واحتمل أنهما يكذبان في الشهادة فالحاكم الشرعي يُحضرهما بعد صلاة العصر ويُحلّفهما أولاً بهذا الحلف : والله إنّا لا نبتغي بالشهادة مالاً ولا نبدّل الشهادة حتى لأقربائنا ولا نكتم الشهادة التي ألزمها الله إيماناً ولو فعلنا ذلك لكُنّا آثمين، وبعد أداء هذا القَسَم أو شبهه في المعنى يُدليان بشهادتهما حول الوصية وتُقبل شهادتهما حينئذٍ .