كان المسلمون وهم بمكة يطلبون من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإذن لهم في قتال الكفار حينما يلاقون منهم الأذى ولما جاء دور القتال في المدينة تولّى بعضهم كما هي العادة عند الناس غالباً حيث أنهم يحرّضون الرؤساء على الإقدام فلما أن أقدموا كانوا أول المنهزمين أَلَمْ تَرَ يارسول الله -إستفهام تعجبي- إِلَى المسلمين الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ بمكة والقائل هو الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ، أي امسكوها واقبضوها عن القتال وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فإنه لا يجب عليكم الجهاد حالاً وكان النهي عن الجهاد لقتلهم وعدم تمكنهم من مقابلة العدو وأنهم إن قاتلوا أُبيدوا واجتُثّت جذور الإسلام، بالإضافة الى إرادة رسوخ الإيمان في قلوبهم، فإن الإنسان مهما إبتلى بالمشقات والشدائد يصفو جوهره وتنصقل نفسه فَلَمَّا أتوا الى المدينة وكُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ أي فُرض عليهم إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ، أي من هؤلاء المسلمين الذين كانوا يطلبون الإذن بالقتال يَخْشَوْنَ النَّاسَ الكفار أن يقتلوهم إذا بارزوا كَخَشْيَةِ اللّهِ كما يخافون من الله سبحانه أن يُميتهم أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً إذ خوف الإنسان من الموت غالباً أقل من خوفه من القتل، إذ القتل يكتنف في الأغلب بالأهوال والمرعبات بخلاف الموت وَقَالُواْ ، أي قال هؤلاء الفريق رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ، أي لأيّ علّة فرضتَ علينا أن نقاتل فعلاً لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، أي لماذا لم تؤخّر الأمر بالقتال الى زمان آخر قريب حتى نستعد للحرب، فقد ورد في بعض التفاسير أنه كان بالنسبة الى حرب بدر حيث كان بعض المسلمين يكرهون ذلك لأنهم لم يستعدوا ويطلبون التأخير الى أجل قريب ليستعدوا قُلْ يارسول الله لهؤلاء إن كان خوفكم من الحرب لأجل إحتمال القتل فما فائدة البقاء في الدنيا بـ مَتَاعُ الدَّنْيَا ، أي ما يستمتع به في الدنيا قَلِيلٌ الأمد يفنى بعد مدة وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى المعاصي وعمل بالواجبات وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، أي مقدار فتيل، وهو ما في شق النواة، فإذا قُتلتم لا تُهدر أتعابكم وأعمالكم.