ثم ذكر سبحانه بعض صفات هؤلاء الكفار الذين أوتوا نصيباً من الكتاب "ألَم تَرَ الى الذين أوتوانصيباً من الكتاب" مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ واتخذوا اليهودية ديناً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ جمع كلمة والمراد بها أحكام الله سبحانه عَن مَّوَاضِعِهِ فيضعون الحلال مكان الحرام والحرام مكان الحلال وهكذا وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا كلامك واحتجاجك يامحمد ووَعَصَيْنَا أوامرك لأنّا لا نعتقد بك نبيّاً صادقاً وربما يحتمل أن يكون المراد عصيانهم عملاً لا قولاً فإنّ "القول" يُراد به تارة الكلام وتارة العمل يُقال "قال بيده كذا" أي أشار وَ يقول هؤلاء اليهود للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ يقصدون الدعاء على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنه لا يسمع كما يُقال "إسمع لا أسمَعَكَ الله" فإنهم كانوا يقصدون بهذا الكلام السب والدعاء عليه ويُظهرون أنهم يريدون معنى آخر وهو إسمع غير مأمور بالسمع فإنه يُقال الكلام للرجل العظيم إحتراماً وإشعاراً بأن أمره بـ "إسمع" ليس أمراً فهو لا يُؤمر بالإستماع لأنه أجلّ من الأمر وَ يقول هؤلاء اليهود للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رَاعِنَا يقصدون بذلك السب باطناً ويُظهرون أنهم يتأدبون حيث أن ظاهر لفظة "راعنا" طلب المراعات لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ من لَوى يلوي إذا حرّف وأمالَ، والألسنة جمع لسان، وليّ اللسان قد يكون ظاهرياً بأن يحرّف لسانه وقد يكون باطنياً بأن يقول شيئاً ظاهره أمر وهو لا يريد ظاهره وَطَعْنًا فِي الدِّينِ فإن الطعن في رئيس الدين طعن في الدين لوهنه بسبب وهنه رئيسه وَلَوْ أَنَّهُمْ، أي إن هؤلاء اليهود قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ما جئتَ به بأن صاروا متدينين بالإسلام وَاسْمَعْ بدون أن يُضيفوا "غير مُسمَع" وَانظُرْنَا عوض قولهم "راعِنا" مما فيه إيمان وأدب واستقامة لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ في دنياهم حيث ينعمون براحة المسلمين ورفاههم وتقدّمهم وفي آخرتهم حيث يسعدون بجنات النعيم وَأَقْوَمَ، أي أكثر عدلاً واستقامة وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ، أي بعّدهم عن رحمته ولطفه وفضله بِـ كُفْرِهِمْ فإن الإنسان إذا لم لم يقبل الإيمان بعد ما عرفه طرده الله سبحانه عن فضله كما أن الأب إذا رأى ولده لا يقبل نُصحه طرده عن ألطافه فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وهذا ليس إستثناءاً من قوله سبحانه "لعنهم الله بكفرهم" بل من أصل الكتاب، وقد ذكرنا سابقاً أن الإستثناء قد يُراعي فيه أصل المطلب من دون نظر الى قيوده كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ) و(ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق) ومن المحتمل مراعات القيد في "إلا قليلا" أي إن إيمان هؤلاء ممكن تقبّله حتى بعد لعن الله إذا تيّقظ ضميرهم وأبوا عن الغفلة الى الحق.