ثم يتوجّه البيان الى العلاقات الإنسانية العامة بما فيها الأقربون وغيرهم، بعدما يفرغ من نظام الأسرة ويربطها بعبادة الله سبحانه الذي أمر بذلك، ويبيّن ما يجب على الإنسان تجاه الخالق وتجاه المخلوق وَاعْبُدُواْ اللّهَ ومعنى العبادة منتهى الخضوع مما يُطلب من العبد قبال سيده، فإن العبادة والعبد من مادة واحدة وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ، أي بالله شَيْئًا، أي لا تجعلوا له شريكاً من حجر أو مدر أو جماد أو نبات أو ملائكة أو بشر، فإنه هو الإله الواحد الذي لا شريك له وَ أحسنوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا فإنهما واسطة خلقكم، وكثيراً ما يُقرن الإحسان إليهما بعبادة الله سبحانه في القرآن الكريم، الإفادةتأكّد لزوم الإحسان إليهما وَ أحسنوا بِذِي الْقُرْبَى القربى كاليسرى من اليُسر، أي أصحاب القرابة، وهذا تعميم بعد التخصيص وَالْيَتَامَى وهم الذين مات آبائهم، أو الأعم منهم وممن ماتت أمه وَالْمَسَاكِينِ هم الفقراء بصورة عامة وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ولمثله حقّان : حق الجوار وحق القرابة وَالْجَارِ الْجُنُبِ جُنُب بضم الأولين كعنق صفة بمعنى الغريب وكأنه باعتبار أن كلاً من الطرفين في جنب وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ، أي صاحبك الذي بجنبك، سواء كان في مدرسة أو دكان أو سفر أو حضر أو غيرهما وَابْنِ السَّبِيلِ، أي المنقطع عن بلده سواء كان ثرياً أم لا، ويسمى "إبن السبيل" لأنه لا يعرف شيء من ملابساته إلا السفر، يُقال "إبن البلد" و"إبن السبيل" و"إبن العمل"لمن يرتبط بهذه الأمور وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ من العبيد والإماء، وقد أطلق سبحانه الإحسان الى هؤلاء ليشمل صنوف الحفاوة والإكرام، وقد كان تأكيد الإسلام بالإحسان الى هؤلاء تمشياً مع روحه العام في توثيق صلة البشر بعضهم مع بعض، وجمعهم في رباط الود والحب والوئام إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا المختال المتبختر المتكبر والفخور الذي يفخر بمناقبه كبراً واعتزازاً وتطاولاً، ذكر هذه الجملة هنا بمناسبة إن من أمَرَهُ سبحانه بالإحسان الى الأصناف المذكورة كثيراً ما يتطاول ويتكبر فلا يخضع للإحسان كما هو المشاهَد الى الآن فنهى سبحانه عن ذلك بعد ما أمر بالإحسان ليؤكده إثباتاً ونفياً.