ثم ذكر سبحانه سائر أصناف المحرّمات من النساء، ومن المعلوم أن التحريم يقوم بالطرفين فكما تُحرم المرأة على الرجل كذلك يُحرم الرجل على المرأة، وقد كانت هذه المحرّمات محلّلات عند بعض الناس كالمجوس، ولذا صرّح القرآن الحكيم بتحريمها، فقال حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وهي كل إمرأة يرجع نَسَبَكَ إليها بالولادة كالأم والجدّة من الطرفين وَبَنَاتُكُمْ وهي كل إمرأة يرجع نَسَبَها إليك بالولادة بنتاً أم بنت أولادك الذكور أو الإناث وَأَخَوَاتُكُمْ وهي اللاتي جمعك وإياهنّ رحم أُم أو صُلب ذكر وَعَمَّاتُكُمْ وهي اللاتي يكنّ أخوات لذكر يرجع نَسَبَك إليه من طرف الأب كأخت الأب وأخت الجد الأبي أم من طرف الأُم كعمة الأم التي هي أخت لأب الأم وَخَالاَتُكُمْ وهي اللاتي يكنّ أخوات لأنثى يرجع نَسَبَك إليها من طرف الأُم كأخت الأم وأخت الجدّة الأُمّيّة أم من طرف الأب كأخت أم الأب التي هي خالة أبيك وَبَنَاتُ الأَخِ بلا واسطة أم مع الواسطة كحفيدة الأخ وَبَنَاتُ الأُخْتِ بلا واسطة أم مع الواسطة كحفيدة الأخت، وهذه السبعة هي أصناف المحرّمات بالنَسَب ثم بيّن سبحانه المحرّمات بالسبب فقال وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ بلا واسطة كأُمّك الرضاعي أم مع الواسطة كأم الرضاعي للأب والأم الرضاعي للأم وهكذا وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ ولم يذكر الأصناف الأُخر من المحرّمات بالرضاع كالعمة والخالة أما لفهم ذلك من السياق أو لدخولهنّ في "أخواتكم" فإنّ العمة أخت الأب والخالة أخت الأُم، وإذا تحققت حُرمة الأخت تحققت حُرمة بنت الأخ وبنت الأخت وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ أُم الزوجة مباشرة كانت أم لا كأُم أب الزوجة وأُم أُم الزوجة، وحيث أطلق سبحانه تبيّن أنه بمجرد العقد على المرأة تُحرم أُمها سواء دخل بالزوجة أم لا وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم الربائب جمع ربيبة وهي بنت زوجة الرجل من غيره سواء كانت قبل هذا الزوج أم بعد هذا الزوج، وقيّد "اللاتي" للغلبة فإنّ الغالب أنّ الرجل إذا تزوج بإمرأة لها بنت رباها في حِجره، والحجور جمع حِجر، ثم أنه لا فرق في الربيبة بين أن تكون بلا واسطة كبنت الزوجة، أم مع الواسطة كبنت الربيبة، أو بنت إبنها، أو أخت بنتها مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ، أي حصل منكم جماع لهنّ، فإنّ الربيبة لا تُحرم بمجرد العقد على أمها وأنها تحرم لو دخل بأُمها، فلو تزوج بإمرأة ولم يدخل بها ثم فارقها بطلاق أو فسخ أو إنقضاء مدة في العدة أو نحو ذلك، حلّ أن يأخذ ربيبتها، وهذا هو الفارق بين (أم المرأة) و(بنت المرأة) فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ في نكاح بناتهنّ بعد خروج الأمهات عن حبالتكم وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ حلائل جمع حليلة وهي الزوجة، أي زوجات أبنائكم سواء كان الإبن بلا واسطة أم مع الواسطة كإبن الإبن وإبن البنت الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وذلك مقابل "الدعيّ" وهو من يتبنّاه الإنسان فإنه لا يحرم على الأب المتبنّي زوجة الإبن الذي تبنّاه لقوله سبحانه (ما جعل أدعيائكم أبنائكم) أما الإبن الرضاعي فإنه بمنزلة الإبن النَسَبي لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (الرضاع لحمة كلحمة النَسَب) وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، أي يُحرم الجمع بين الأُختين بأن تكونا في حبالته معاً، ويجوز أخذ واحدة ثم إخراجها عن حبالته ونكاح الأخرى إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ فإن أعمالكم في الجاهلية بالنسبة الى نكاح المحرّمات غير مؤاخّذين عليها في الإسلام لأن الإسلام يجبُّ ما قبله إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا يغفر ذنوبكم السابقة رَّحِيمًا يرحم بكم فلا يجازيكم بسيّئاتكم.