ولما ذكر سبحانه أن عنده ثواب الدنيا والآخرة عقّبه بالأمر بالعدل وعدم الجور كي ينالوا الثوابين، وقد سبق الأمر بالعدل في قوله "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" فقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قد تقدّم أن الخطاب إنما خُصّص بالمؤمنين لأنهم المنتفعون السامعون وإلا فالأوامر والنواهي عامة للجميع كُونُواْ قَوَّامِينَ جمع قوام وهو كثير القيام بِالْقِسْطِ هو العدل، أي كونوا دائمين في القيام بالعدل بأن تكون عادتكم على ذلك قولاً وعملاً، ولعل في ذلك إشارة تنبيه على ما اعتاده الناس من أنهم لابد وأن يزيغوا عن العدل إذا تمادت بهم الأزمان، ولذا نرى من الحكام من يتنزّه عن الجور في أول مرة ثم إذا امتدّ به الزمان زاغ وانحرف شُهَدَاء جمع شهيد لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ، أي اشهدوا بالحق -لأجل أمر الله ورضاه- ولو كانت الشهادة في ضرركم ونفع الغير أَوِ على الْوَالِدَيْنِ ، أي في ضررهما لنفع الغير إذا كان الحق مع الغير وَ على الأَقْرَبِينَ ، أي من يتقرّب بكم بنسب فلا تميلوا عن الحق لنزوات أنفسكم أو ملاحظة الوالدين أو رعاية الأقربين إِن يَكُنْ المشهود له أو المشهود عليه غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فلا تشهدوا للغني أو للفقير باطلاً مراعاة لغناه أو رعاية لفقره شفقة عليه فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا أنه سبحانه أولى بالغني والفقير وانظر لحالهما من سائر الناس، ومع ذلك فقد أمَرَكم بالشهادة على الحق فلابد من ملاحظة أمره لا مراعاة الغني لغناه أو الفقير شفقة عليه فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى ، أي هوى النفس في الحكم الجائر أَن تَعْدِلُواْ ، أي لإن تعدلوا، وذلك كقولهم : لا تتّبع هواك لترضي ربك، أو المعنى : لا تتّبعوا الهوى في أن تعدلوا من الحق وَإِن تَلْوُواْ من لوى يلوي بمعنى الإنحراف، أي أن تنحرفوا أيها المؤمنون -في حال الحكم- عن الحق أَوْ تُعْرِضُواْ عن الحق إطلاقاً، ولعل الفرق أن الليّ الإنحراف اليسير والإعراض الإنحراف مطلقاً فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فيعلم الإنحراف والإعراض ويجازيكم عليهما كما يعلم إقامتكم للحق.