ثُمَّ أَنزَلَ الله عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ الذي غشيكم لهزيمتكم أَمَنَةً، أي أمناً نُّعَاسًا، أي نوماً، وهو بدل إشتمال لـ "أمَنة" فإنهم ناموا من شدة التعب والنصب بعدما ذهب خوفهم وذهب الكفار، و"أمَنة" مصدر كالعظمة والغلبة لكن هذا النعاس كان يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ فقط الذين كانوا يعلمون أن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حق وأن الله لا يتركه وأن ما أصابهم يوجب الثواب والفائدة لهم وَ هناك طَآئِفَةٌ ثانية كانوا مع النبي منافقين قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يفكرون في هزيمتهم لا ينامون من الحزن والخوف حين إنتشر بينهم أن الكفار عازمون على الرجوع وكانوا يشكّون في نصرة الله، ولذا لم يتمكنوا من الخوف أن يناموا يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وأنه لا ينصر نبيّه ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ من الكفار المكذبون بوعد الله سبحانه يَقُولُونَ ما في نفوسهم من الظنون الجاهلية هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ أمر الغلبة والنصرة مِن شَيْءٍ في مقام الإستنكار والتعجب أن ينتصروا على الكفار إذا رجعوا قُلْ لهم يارسول الله إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ينصر من يشاء فللمسلمين النصر والغلبة بإعطاء الله لهم إياها يُخْفُونَ هؤلاء المنافقون فِي أَنفُسِهِم النفاق والكفر مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ، أي لا يتجرئون على إظهاره يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ، أي من النصرة والغلبة شَيْءٌ وكنا حقيقة منصورين مَّا قُتِلْنَا، أي ما قُتل أصحابنا هَاهُنَا في غزوة أُحُد قُل يارسول الله في جوابهم أن كون الأمر لنا لا يلازم أن لا يُقتل منا أحد فإن الإنسان يموت إذا جاء أجله ولو كان في داره ومنزله لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، أي خرج الذين كُتب عليهم القتل بأن رقم موتهم في اللوح المحفوظ الى مصارعهم، ومضاجع جمع مضجع بمعنى محل المنام وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ يختبر الله ما في صدوركم، فإن ما في الصدور من الإخلاص والنفاق، والثبات والوهن إنما يظهر لدى الشدائد والمحن، وهذا عطف على قوله "ليبتليكم" أو مستأنفة، أي فعل الله سبحانه ما فعل ليبتلي وَلِيُمَحَّصَ، أي يخلص مَا فِي قُلُوبِكُمْ بأن يكشفه للناس ولكم حيث أن الإنسان يظن أشياء فإذا حدث الحادث يظهر له خلاف ما كان يظن بنفسه وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فليس الإمتحان لأن يعلم هو تعالى، بل لأن يظهر ما يعلمه.