ثم بيّن سبحانه أن ما نالوه من المكاره ليس خاصاً بهم بل نال الكافرون مثل ما نالوا فهم في ذلك سواء لكن المؤمنين يرجون ثواب الله سبحانه مما لا يترقّبه الكافرون فهم أجدر بالصبر والثبات وعدم الوهن والحزن إِن يَمْسَسْكُمْ، أي يُصبكم أيها المسلمون في غزوة أُحُد قَرْحٌ جراح وألم في أثحُد فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ)) الكافرين قَرْحٌ مِّثْلُهُ في أُحُد حيث أُصيب الكفار بالألم والجرح أيضاً، أو المراد مسّهم القرح في بدر حيث قُتل من المشركين وهُزموا وَتِلْكَ الأيَّامُ أيام النصر والهزيمة وأيام الفرح نُدَاوِلُهَا، أي نصرفها بَيْنَ النَّاسِ فيوم لهؤلاء على أولئك ويوم لأولئك على هؤلاء فإذا نصرنا المؤمنين كان ذلك لإيمانهم وإذا هُزموا كان إمتحاناً لهم وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ، أي أن صرف الأيام ليتميّز المؤمن الحقيقي من غيره فإن عند تقلّب الأحوال يُعرف جواهر الرجال وعند الإمتحان يُكرم الرجل أو يُهان، ومعنى "ليعلم" أن معلومه سبحانه يقع في الخارج، لا أنه كان جاهلاً -سبحانه- ثم عَلِم، فإن العلم لما كان أمراً إضافياً بين العالم والمعلوم، يُقال عَلِم بإعتبارين : أما إعتبار العالِم فيما كان جاهلاً ثم عَلِم، وأما بإعتبار المعلوم فيما كان المعلوم غير خارجي ثم صار خارجياً وَ لـ يَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء، أي أن مداولة الأيام لفوائد ومن جملة تلك الفوائد أن يتخذ الله سبحانه منكم مقتولين يستشهدون في سبيل الله ويبلغون الدرجات الراقية بالشهادة، أو ليكون جماعة شهيداً على آخرين بالصبر أو الجزع، بالثبات أو الهزيمة، فإن إيصال جماعة قابلة الى مرتبة أن يكونوا شهداء نعمة وغرض رفيع، لكن المعنى الأول أقرب وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الذين يظلمون أنفسهم بالكفر أو بالهزيمة.