وقد صار مال قارون وبالا عليه (فَخَسَفْنا بِهِ) أي بقارون (وَبِدارِهِ) التي فيها الأموال (الْأَرْضَ) أي انخسفت الأرض معهما ، فذهب قارون هالكا ، وذهبت أمواله ضياعا. قال القمي : وكان سبب هلاك قارون أنه لما أخرج موسى بني إسرائيل من مصر وأنزلهم البادية أنزل الله عليهم المن والسلوى ففرض الله عليهم دخول مصر وحرمها عليهم أربعين سنة وكانوا يقومون من أول الليل ويأخذون في قراءة التوراة والدعاء والبكاء وكان قارون منهم وكان يقرأ التوراة ولم يكن فيهم أحسن صوتا منه وكان يسمى «المنون» لحسن قراءته وكان يعمل الكيمياء ، فلما طال الأمر على بني إسرائيل في التيه والتوبة وكان قارون قد امتنع من الدخول معهم في التوبة وكان موسى عليهالسلام يحبه فدخل عليه موسى فقال له : يا قارون قومك في التوبة وأنت قاعد هاهنا؟ ادخل معهم وإلا ينزل بك العذاب فاستهان به واستهزأ بقوله فخرج موسى من عنده مغتما فجلس في فناء قصره وعليه جبة شعر وفي رجله نعلان من جلد حمار شراكهما من خيوط شعر وبيده العصا فأمر قارون أن يصب عليه رماد قد خلط بالماء فصب عليه فغضب موسى غضبا شديدا وكان في كتفه شعرات كان إذا غضب خرجت من ثيابه وقطر منها الدم فناجى موسى ربه فأوحى الله عزوجل إليه قد أمرت الأرض أن تعطيك فمرها بما شئت وقد كان قارون قد أمر أن يغلق باب القصر فأقبل موسى فأومأ إلى الأبواب فانفرجت ودخل عليه فلما نظر إليه قارون علم أنه قد أوتي بالعذاب فقال : يا موسى أسألك بالرحم الذي بيني وبينك فقال له موسى : يا بن لاوى فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ ____________________________________ لا تزدني من كلامك. وقال عليهالسلام : يا أرض خذيه فدخل القصر بما فيه في الأرض ، ودخل قارون في الأرض إلى ركبتيه فبكى وحلفه بالرحم فقال له موسى : يا بن لاوي لا تزدني من كلامك يا أرض خذيه فابتلعته بقصره وخزائنه (1) ، أقول : لقد كان موسى عليهالسلام في منتهى الحلم والرقة ولكن انحراف بني إسرائيل الشديد ، كان يسبب له في بعض الأحيان أن يغضب لله سبحانه ، والغضب لله تعالى من أفضل صفات الأنبياء ، كما قال تعالى : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) (2). (فَما كانَ لَهُ) أي لقارون (مِنْ فِئَةٍ) أي جماعة ، وسميت الجماعة فئة ، لأن الإنسان يعود ويرجع إليها كلما دهمه أمر ، من «فاء» بمعنى : رجع (يَنْصُرُونَهُ) أي ينصرون قارون (مِنْ دُونِ اللهِ) أي سوى الله ، يعني أن الله وحده كان قادرا على دفع العذاب عنه أما غيره فلا أحد كان يقدر على ذلك. وهذا من قبيل الاستثناء المنقطع الذي مرّ الكلام في وجهه مكررا (وَما كانَ) قارون بنفسه (مِنَ المُنْتَصِرِينَ) أي يقدر على أن ينصر نفسه.