إن الأحكام التي سلفت في السورة وفي غيرها ليست مما لا يُطاق فإنه لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا فإن أوامره ونواهيه مستطاعة للمكلَّف وليس في الدين من حرج، فلا يظن أحد أن الإيمان السابق ذكره في (والمؤمنون كلٌّ آمن بالله) يوجب مشقة وعنتاً وإرهاقاً لَهَا، أي للنفس مَا كَسَبَتْ من الحسنات فالجزاء الحسن يجزى به من أحسن وَعَلَيْهَا، أي على النفس ضرر مَا اكْتَسَبَتْ من الآثام والسيئات ولعل في مجيء الكسب من بابين "كسب" و"اكتسب" إفادة أنّ الطاعة طبيعية والمعصية تؤتي بالتكليف إذ للفظة الإكتساب ظلالاً يفيد التعب والغضب بخلاف الكسب وتؤيده قاعدة "زيادة المبني تدل على زيادة المعنى" وهناك يتوجه المؤمنون الى الله داعين سائلين رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا لا نسيان وإنما تصح المؤاخذة فيهما لغلبة كون مقدماتهما إختيارية وما ينتهي الى الإختيار يكون بالإختيار رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا، أي ثقلاً فإن بعض التكاليف قد توجب ظروفها ثقلاً وعنتاً فالمؤمن يسأل أن يجنّبه الله سبحانه مثل هذا الثقل كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا فإنهم بلجاجتهم استحقوا تحميل الثقل كما تقدّم في قصة بقرة بني إسرائيل وكما قال سبحانه (فبظلمٍ من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات ما أُحلّت لهم) رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وإن كان مقدوراً لنا فإنّ عدم الطاقة ليس بمعنى عدم القدرة حتى يُقال أنّ الله لا يكلّف غير المقدور فما وجه هذا الدعاء؟ وَاعْفُ عَنَّا ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنَا خطايانا، أي إسترها ولا تبدها وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا سيدنا والأولى بالتصرف فينا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ حتى نغلب عليهم في الحكم كما نغلب عليهم في الحجّة.