تِلْكَ الرُّسُلُ الذين أُشير إليهم في قوله: (إنك لمن المرسلين) فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فهم وإن إشتركوا في أصل الرسالة إلا أنهم مختلفون في الفضيلة مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ إياه وهو موسى (عليه السلام) وحيث أن هناك محل سؤال هل يمكن للإنسان أن يرتقي هذا المرتقى العظيم حتى يكلّمه الله سبحانه ألمحت الآية الى ذلك قائلة وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ لا درجة واحدة، حتى سببت تلك الرفعة أن يتمكن من مكالمة الله مباشرة وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وإنه لمن تفنن القرآن الحكيم في التعبير حيث لم يصرّح باسم موسى وصرّح باسم عيسى (عليه السلام) والبيّنات هي الدلالات الواضحات على نبوّته من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وَأَيَّدْنَاهُ، أي قوّيناه فإن التأييد بمعنى التقوية بِرُوحِ الْقُدُسِ، أي روح مقدسة -كما مر سابقاً- فلم يكن إنساناً عادياً ولا خالقاً ورباً وإنما نبي مؤيّد من عند الله سبحانه، وحيث كان هنا مجال سؤال هو أن الأنبياء حيث أتوا بالدلالات لم يكن مجال لتشكيك الناس فيهم فكيف تقع الحروب بين الناس حول الأنبياء إثباتاً أو نفياً أو إثباتاً لنبي دون نبي، أتى السياق مشيراً الى جواب ذلك وَلَوْ شَاء اللّهُ بأن ألجأَ الناس واضطرهم على الإنقياد والإهتداء مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم، أي من بعد الرسل، أي بعد مجيء كل واحد منهم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، أي جاءت الناس الأدلة الواضحة وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ، أي الناس فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ بالرسول وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ تكريراً للتأكيد وأن المشيئة الإلجائية لم تتعلق حول التشريع وإن تعلّقت حول التكوين وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ من إعطاء الإختيار بيد الإنسان ليؤمن من آمن عن إختيار ويكفر من كفر عن إختيار ليثبت الجزاء والحساب وبم يذكر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأن الخطاب موجّه إليه (وإنك لمن المرسلين).