إن كل حركة إصلاحية لابد وأن تشق صفوف الناس المتصافقة على الفساد وهكذا كان بعث الأنبياء فقد كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ لمن آمن وأصلح وَمُنذِرِينَ لمن كفر وعصى وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ قيد توضيحي، إذ كل إنزال من الله بالحق وإنما أُكّد لمقابلته لسائر الكتب التي ترسلها رؤساء الحكومات الى رعاياها فإن منها ما هو باطل لِيَحْكُمَ ذلك الكتاب بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ من أمور معاملاتهم وسائر معاشراتهم والإختلاف هنا لا ينافي كون الناس أمة واحدة إذ وحدة الأمة تجتمع مع هذا النوع من الإختلاف ثم صار نفس الكتاب محلاً لإختلاف الأمة فيه لكن هذا الإختلاف ليس عن واقع وشك لأن الكتاب واضح بل عن حسد وبغي وطمع وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ، أي في الكتاب بأن فسّره كلٌّ حسب نظره وهواه إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ، أي الأدلة الواضحة على معاني الكتاب مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، أي الأدلة الواضحة على معاني الكتاب بَغْيًا بَيْنَهُمْ، أي الإختلاف إنما نشأ من البغي والظلم والحسد التي حصلت بينهم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ حقيقة وأرادوا إتباع أحكام الله واقعاً لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، أي للشيء الذي إختلفت الأمة فيه بِإِذْنِهِ، أي بلطفه بهم حيث هداهم وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أما معناه الإيصال الى المطلوب وهو ليس بواجب بالنسبة الى الجميع وأما معناه أرائه الطريق، ومعنى "من يشاء" أنه لو لم يشأ لا يهدي أحد إذ الهداية لا تكون إلا بإرسال الرُسُل، والأول أنسب بالسياق.