وإذ ليس هناك ملجأ يلجأ إليه الإنسان ، ليقيه من مكاره الدهر ، ويسعده في الآخرة ، فما أجدر بالرسول ، أن يتلو كتاب الله عاملا به ، ويصبر مع المؤمنين ، وإن أصابه الكفار بأذى (وَاصْبِرْ) يا رسول الله نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ____________________________________ (نَفْسَكَ) أي احبس نفسك (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ) أي الصباح (وَالْعَشِيِ) أي المساء ، لا شغل لهم سوى الله سبحانه (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي رضاه ، أما بمعنى يريدون الوجه الذي أمر به ، فتكون الإضافة للتشريف ، أو تشبيه بمن له وجه ، ويعمل الإنسان عملا لوجهه ، فتكون الإضافة مجازا ، وحيث إن الإنسان ، إذا عمل عملا لأحد ، لاحظ أنه يواجه المعمول له ، وتقع عينه في وجهه ، فيخجل منه ، إن لم يعمل حسب رضاه ، قيل «يعمل فلان لوجه فلان» (وَلا تَعْدُ) من عدى يعدو ـ على وزن «غزي يغزو» ـ بمعنى تجاوز ، أي لا تتجاوز (عَيْناكَ) يا رسول الله (عَنْهُمْ) أي عن أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، و «عيناك» فاعل «تعد» فهو صيغة تأنيث ، لا صيغة خطاب ، والمعنى لا تتجاوز عينك عن هؤلاء المؤمنين إلى أبناء الدنيا (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي في حال كونك مريدا زينة هذه الحياة ، ولم يكن يريد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ، وإنما جاء النهي إرشادا للأمة ، وتقريعا للعظماء والأشراف ، الذين أرادوا من الرسول أن يطرد الفقراء ـ في منطقتهم ـ كبلال ، وعمار ، وخباب ، وصهيب ، وابن مسعود ، وأضرابهم ، ليدنوا منه صلىاللهعليهوآلهوسلم الأشراف قالوا : إنه لا يمكن أن نجتمع نحن بهؤلاء ، فإذا أردت اقترابنا فاطرد هؤلاء من عندك ، وكان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حريصا على إيمان الأشراف ، واستقائهم من المعرفة ، لعلهم يهتدوا ، لكن إن طرد هؤلاء وتقريب أولئك في منطق الإسلام ، طرد للمؤمنين ، وتقريب لزينة الحياة ، ومن طريف الأمر ، أن الأمر بقي هكذا إلى اليوم ، فالغالب أن المؤمنين ـ لقلة علاقتهم بزينة الحياة ـ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ ____________________________________ لا يجمعون مالا ، ولا يأبهون بالمظاهر ، ويجتمعون حول كبراء أهل الدين. والأشراف والأغنياء ، قلوبهم غامرة من الإيمان ، وظواهرهم عامرة بالزخارف ، ثم يريدون أن يضيفوا إلى أنفسهم شرف قرب الكبير الديني ـ لمجرد الظاهر أيضا ـ فيقولون : اطرد أولئك حتى نقترب منك ، وماذا يصنع الكبير هل يطردهم؟ وهم الذين يعطون الحقوق ، ولهم الكلمة في حلّ كثير من المشاكل ، أم يطرد الفقراء؟ وكيف يطرد قلبا عامرا ، لقلب غامر؟ لكن الواجب أن لا يطرد المؤمن مهما كلف الأمر ، اتباعا لقوله سبحانه «ولا تعد عيناك عنهم» والله الذي بيده الملك يعطيه ما ينتظر من الأشراف ، بدون وساطتهم ، وهو على كل شيء قدير (وَلا تُطِعْ) يا رسول الله في طرد المؤمنين (مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) وإنما أغفلناه ، لأنه سار مع هواه ، فتركناه حتى يتردى في الغفلة والحرمان ، لا يذكر الله سبحانه إلا قليلا (وَاتَّبَعَ هَواهُ) فالهوى يقوده ـ لا الهدى ـ (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) أي سرفا وإفراطا ، لا ينتظم بنظام واحد ، فإن أهل اليمين يجمع جميع أمورهم نطاق الدين ، أما أهل الهوى ، فكل يوم مع مهوى ، كالعنب الفرط الذي انسلخ من عنقوده ، فلم يجمعها جامع.