۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الكهف، آية ٢٩

التفسير يعرض الآية ٢٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وإذ ليس هناك ملجأ يلجأ إليه الإنسان ، ليقيه من مكاره الدهر ، ويسعده في الآخرة ، فما أجدر بالرسول ، أن يتلو كتاب الله عاملا به ، ويصبر مع المؤمنين ، وإن أصابه الكفار بأذى (وَاصْبِرْ) يا رسول الله نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ____________________________________ (نَفْسَكَ) أي احبس نفسك (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ) أي الصباح (وَالْعَشِيِ) أي المساء ، لا شغل لهم سوى الله سبحانه (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي رضاه ، أما بمعنى يريدون الوجه الذي أمر به ، فتكون الإضافة للتشريف ، أو تشبيه بمن له وجه ، ويعمل الإنسان عملا لوجهه ، فتكون الإضافة مجازا ، وحيث إن الإنسان ، إذا عمل عملا لأحد ، لاحظ أنه يواجه المعمول له ، وتقع عينه في وجهه ، فيخجل منه ، إن لم يعمل حسب رضاه ، قيل «يعمل فلان لوجه فلان» (وَلا تَعْدُ) من عدى يعدو ـ على وزن «غزي يغزو» ـ بمعنى تجاوز ، أي لا تتجاوز (عَيْناكَ) يا رسول الله (عَنْهُمْ) أي عن أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، و «عيناك» فاعل «تعد» فهو صيغة تأنيث ، لا صيغة خطاب ، والمعنى لا تتجاوز عينك عن هؤلاء المؤمنين إلى أبناء الدنيا (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي في حال كونك مريدا زينة هذه الحياة ، ولم يكن يريد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ، وإنما جاء النهي إرشادا للأمة ، وتقريعا للعظماء والأشراف ، الذين أرادوا من الرسول أن يطرد الفقراء ـ في منطقتهم ـ كبلال ، وعمار ، وخباب ، وصهيب ، وابن مسعود ، وأضرابهم ، ليدنوا منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأشراف قالوا : إنه لا يمكن أن نجتمع نحن بهؤلاء ، فإذا أردت اقترابنا فاطرد هؤلاء من عندك ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حريصا على إيمان الأشراف ، واستقائهم من المعرفة ، لعلهم يهتدوا ، لكن إن طرد هؤلاء وتقريب أولئك في منطق الإسلام ، طرد للمؤمنين ، وتقريب لزينة الحياة ، ومن طريف الأمر ، أن الأمر بقي هكذا إلى اليوم ، فالغالب أن المؤمنين ـ لقلة علاقتهم بزينة الحياة ـ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ ____________________________________ لا يجمعون مالا ، ولا يأبهون بالمظاهر ، ويجتمعون حول كبراء أهل الدين. والأشراف والأغنياء ، قلوبهم غامرة من الإيمان ، وظواهرهم عامرة بالزخارف ، ثم يريدون أن يضيفوا إلى أنفسهم شرف قرب الكبير الديني ـ لمجرد الظاهر أيضا ـ فيقولون : اطرد أولئك حتى نقترب منك ، وماذا يصنع الكبير هل يطردهم؟ وهم الذين يعطون الحقوق ، ولهم الكلمة في حلّ كثير من المشاكل ، أم يطرد الفقراء؟ وكيف يطرد قلبا عامرا ، لقلب غامر؟ لكن الواجب أن لا يطرد المؤمن مهما كلف الأمر ، اتباعا لقوله سبحانه «ولا تعد عيناك عنهم» والله الذي بيده الملك يعطيه ما ينتظر من الأشراف ، بدون وساطتهم ، وهو على كل شيء قدير (وَلا تُطِعْ) يا رسول الله في طرد المؤمنين (مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) وإنما أغفلناه ، لأنه سار مع هواه ، فتركناه حتى يتردى في الغفلة والحرمان ، لا يذكر الله سبحانه إلا قليلا (وَاتَّبَعَ هَواهُ) فالهوى يقوده ـ لا الهدى ـ (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) أي سرفا وإفراطا ، لا ينتظم بنظام واحد ، فإن أهل اليمين يجمع جميع أمورهم نطاق الدين ، أما أهل الهوى ، فكل يوم مع مهوى ، كالعنب الفرط الذي انسلخ من عنقوده ، فلم يجمعها جامع.