۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النحل، آية ٧٦

التفسير يعرض الآية ٧٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وإذ تقدم المثال بالعبيد والسادة في قوله (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا) يأتي السياق ليبين هذا المثل ، بوجه آخر فيقول سبحانه (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) للمشركين في اتخاذهم الأصنام شركاء لله سبحانه وإنما بيّن هذا المثل ، ليقيسوا عليه أمر الألوهية ، فيدركوا خطأ جعلهم الشركاء ، فإن الإنسان ، ليعرف بالمثل ما لا يعرفه بالبراهين والأدلة (عَبْداً مَمْلُوكاً) عطف بيان على المثل (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) مما يقدر عليه السادة من الأخذ والعطاء ، وسائر التصرفات ، وهنا تنبيه لا بد من الإشارة إليه ، وهو أنه إذا وقعت حرب بين المسلمين وغيرهم ـ والحرب لا تكون طبعا من جانب المسلمين تعديا ـ كما قرر في محله ، قرر الإسلام أخذ الأسرى ، ثم التفدية والاسترقاق ، فالاسترقاق ، إنما ينشأ من المتعدين في الحروب ، وهذا يبقى رقّا هو وعقبه ما لم يتحرر ـ والتحرر له ____________________________________ أسباب كثيرة ، اضطرارية أو اختيارية ، مما لا يبقى العقب رقا غالبا ـ وقد جعل الإسلام هذا النظام مراعاة لمصالح شتى ، منها أن لا يرهق كاهل الدولة بالمساجين ، ومنها أن يكون الأسراء موزعين حتى يذوب الكفر والباطل شيئا فشيئا ، ويتعلموا معالم الإسلام ، بطبيعة كونهم في بيوت المسلمين وتحت رقابتهم ومعاشرتهم ، ومنها أن لا يتجرأ الكفار على المحاربة والاعتداء لأن الناس مستعدون للسجن ، ولا يستعدون للاسترقاق ، ومنها توسعة البلاد ، واختلاط الأمم في بوتقة واحدة ، وتقدم الحياة ومنها غير ذلك ، .. وهذا النظام أفضل بكثير من نظام الدول في أسرى الحرب إيجابيا وسلبيا ، ثم الرق محترم معال ، من قبل مولاه ، وإذا صار في شدة أعتقه الإسلام من بيت المال ، كما قال سبحانه (وَفِي الرِّقابِ) (1) ومثل هذا النظام من أصح الأنظمة ، إلا أن الرقيق لما كان في الغرب كان بغير هذا الشكل ، بل بشكل مزري فظيع ـ في جميع موارده ومصادره ـ جاء «لنكولن» ليحرر العبيد وأخذ بعض المسلمين المنهزمين ـ امام التيار الغربي ـ هذا التحرر شيئا بديعا ، فجعلوا يرددونه من غير وعي وإدراك ، حتى أن جماعة من المتنورين ، قالوا إن الإسلام أراد تحرير العبيد تدريجيا ولكن الظروف لم تسمح له ، تمشيا مع خطة «إذابة الإسلام في بوتقة الغرب» كما صنعوا بأحكام كثيرة هذا العمل المشين ، ولذا كان من اللازم أن نقول : إن النظام الإسلامي في الرقيق ، وفي غيره ، باق على حاله ، ولم يتبدل من الإسلام شيء أبدا ومن يريد التبدل ، فهو بين جاهل بالأنظمة الإسلامية وفلسفتها وجمال أحكامها أو معاند ، ومن يفعل ذلك ، فقد أخذ معول __________________ (1) البقرة : 178. وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ ____________________________________ الهدم لجميع أحكام الإسلام ، إذ لو فتح هذا الباب في حكمه ، لكان منفتحا في كل حكم ، فما الفارق؟ (وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) وهم السادة الذين رزقهم الله رزقا حسنا ، بلا وساطة سيد فإن الرزق كلما كان أقل واسطة كان أهنأ (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً) لأنه مالك لا يخشى أحدا ، وليس عليه رقيب فيما يعطيه (هَلْ يَسْتَوُونَ) أولئك العبيد ، وهؤلاء السادة؟ وإنما أتى بصيغة الجمع لأن المراد ب «عبدا» و «من» الجنس؟ وإذا كان الجواب ، أنهما لا يتساويان قيل لهم : فكيف تساوون بين الله المالك ، وبين الأصنام المملوكة؟ فتعبدون كليهما على حد سواء ، وتجعلون للأصنام ، ما للإله من الألوهية والربوبية؟ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وحده لا شريك له ، وليس حمد لغيره فإنه الإله الواحد المستحق للحمد ، دون سواه ، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) وهم المشركون (لا يَعْلَمُونَ) هذه الحقيقة ، وهي أن الحمد له وحده ولا يستحق ما سواه الحمد.