(وَرَفَعَ) يوسف (أَبَوَيْهِ) يعقوب وراحيل (عَلَى الْعَرْشِ) أي سرير المملكة إعظاما لهما ، وقد كان لا يجلس على السرير إلا الملك (وَخَرُّوا) أهل يوسف (لَهُ) ليوسف (سُجَّداً) جمع ساجد ، كما أن ركّع ، جمع راكع ، احتمل بعض العلماء أن السجود لغير الله سبحانه ـ بإذنه تعالى ـ كان جائزا في الأمم السابقة ، كما سجدت الملائكة لآدم ، وسجد أهل يوسف ليوسف ، حسب ما يظهر من القرآن الكريم ، وكم من حكم كان في الأمم السابقة جائزا ولم يجز في هذه الأمة ـ وذلك ليس خلافا للعقل ، فإنه كما يجوّز العقل التعظيم دون الركوع والسجود ، يجوز التعظيم إلى حدهما ، أقول : لكن في المقام نص خاص دل على السجود لم يكن لآدم وليوسف ، وإنما لله سبحانه ، وكأنهما عليهالسلام كانا محل التوجه كما نسجد نحو الكعبة لله سبحانه ، وفي ذلك تعظيم ضمني لمن يسجد نحوه ، فقد سئل يحيى ابن أكتم موسى بن محمد بن علي بن موسى مسائل فعرضهما على أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام ، فكان إحداها أن قال : أخبرني أسجد يعقوب وولده ليوسف وهم أنبياء؟ فأجاب أبو الحسن عليهالسلام : أما سجود يعقوب وولده فإنه لم يكن ليوسف ، وإنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية ليوسف ، كما أن السجود من الملائكة لآدم عليهالسلام ، كان منهم طاعة لله وتحية لآدم ، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا لله تعالى (1) ، لاجتماع شملهم ، ألم تر أنه يقول في شكره في ذلك الوقت : رب قد آتيتني من الملك (وَقالَ) يوسف عليهالسلام (يا أَبَتِ) التاء عوض ياء المتكلم ، قال ابن مالك : |وفي الندا أبت عرض | |قبل النداء ومن اليا التا عوض | | | | |
(هذا) الذي تراه من سجودكم لي (تَأْوِيلُ رُءْيايَ) التي رأيتها وأنا عندكم ، وإن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا سجدوا لي (مِنْ قَبْلُ) في زمان صغري (قَدْ جَعَلَها) أي جعل الرؤيا (رَبِّي حَقًّا) أي صدقا مطابقا للواقع ، وآلت رؤياي إلى هذه النتيجة حيث صرت ملكا ، وسجد لي أبواي وإخواني الأحد عشر ، (وَقَدْ أَحْسَنَ) ربي (بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) الذي ابتليت به سبع سنوات (وَ) إذ (جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) أي من البادية «ليجمع شملنا» فقد كانوا يسكنون البادية ، ويرعون أغنامهم فيها ، وفي سنة القحط قد هلكت أغنامهم ، وأحوجهم العوز إلى السفر إلى مصر ، حتى تم هذا اللقاء ، ولعله لم يذكر نعمة الله عليه في إخراجه من الجب ، لئلا يذكّر الأب بصنيع الأخوة به ، كرما منه وإحسانا ، فإن من الأخلاق أن ينسى الإنسان إساءة الغير إليه ، (1) تفسير القمي : ج 1 ص 356. وإحسانه إلى الغير (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ) أي أفسد (بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) ، وكان الإفساد بإلقاء الحسد على قلب الأخوة ، حتى صنعوا ما صنعوا (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ) في تدبير عباده (لِما يَشاءُ) من الأمور ومعنى اللطيف أنه يفعل الأشياء الدقيقة النافعة ، مما لا يتمكن الإنسان عليها (إِنَّهُ) سبحانه (هُوَ الْعَلِيمُ) بالمصالح (الْحَكِيمُ) فيما يفعل ، والحكمة هي وضع الأشياء مواضعها. روي أن يعقوب سأل يوسف عن ماذا صنع الأخوة به؟ فقال يوسف : يا أبة لا تسألني عن صنيع إخوتي بي ، وسل عن صنع الله بي.