وانتهى الأمر وسار الرسل نحو قرية لوط عليهالسلام في زي شبان حسان الصور ـ وهذه هي القصة الخامسة في السورة ـ (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً) أي أتت الملائكة إلى لوط عليهالسلام (سِيءَ) لوط (بِهِمْ) أي ساءه مجيئهم (وَضاقَ) لوط (بِهِمْ) أي بسبب ورودهم (ذَرْعاً) أي قلبا وطاقة. قالوا : إن الأصل في ذلك أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوته ، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذرعه فيضعف ويمد عنقه ، ومنه قولهم : «ما لي به ذرع» أي ليس لي به طاقة. (وَقالَ) لوط عليهالسلام : (هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أي يوم شديد عليّ ، كيف أصنع بالقوم إذا أرادوا الفاحشة مع هؤلاء الضيوف ، أصل «عصب» من الشد ، يقال : «عصبت الشيء» أي شددته ، ويستعمل غالبا في الشر. وقد روي عن الإمام الباقر عليهالسلام ـ بتغيير يسير ـ : كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم الله ، فطلبهم إبليس الطلب الشديد ، وكان من فضلهم وخيرتهم أنهم إذا خرجوا إلى العمل خرجوا بأجمعهم وتبقى النساء خلفهم ، ولم يزل إبليس يعتادهم وكانوا إذا رجعوا خرّب إبليس ____________________________________ ما كانوا يعملون ، فقال بعضهم لبعض : تعالوا نرصد لهذا الذي يخرب متاعنا ، فرصدوه ، فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان ، فقالوا له : أنت الذي تخرب متاعنا مرة بعد مرة ، فاجتمع رأيهم على أن يقتلوه فبيّتوه عند رجل ، فلما كان الليل صاح فقال له : ما لك؟ فقال : كان أبي ينومني على بطنه. فقال الرجل : تعال فنم على بطني. قال : فلم يزل الشيطان يدلك الرجل حتى علّمه أن يفعل بنفسه ، ثم انسل ففر منهم ، وأصبحوا فجعل الرجل يخبر بما فعل بالغلام ويحبّبهم منه وهم لا يعرفونه ، فوضعوا أيديهم فيه حتى اكتفى الرجال بالرجال ، ثم جعلوا يرصدون مارة الطريق فيفعلون بهم ، حتى تنكّب مدينتهم الناس ، ثم تركوا نساءهم وأقبلوا على الغلمان ، فلما رأى الشيطان أنه قد أحكم أمره في الرجال ، جاء إلى النساء فصيّر نفسه امرأة ثم قال : إن رجالكن يفعل بعضهم ببعض. قلن : نعم قد رأينا ذلك. وكل ذلك ينصحهم لوط ويوصيهم ، وإبليس يغويهم ، حتى استغنت النساء بالنساء. فلما كملت عليهم الحجة بعث الله جبرائيل وميكائيل وإسرافيل في زي غلمان ، عليهم أقبية فمروا بلوط عليهالسلام وهو يحرث قال : أين تريدون؟ ما رأيت أجمل منكم قط؟ قالوا : إنا أرسلنا سيدنا إلى رب هذه المدينة. قال : أو لم يبلغ سيدكم ما يفعل أهل هذه المدينة ، يا بني إنهم والله يأخذون الرجال فيفعلون بهم حتى يخرج الدم. فقالوا : أمرنا سيدنا أن نمر وسطها. قال : فلي إليكم حاجة؟ قالوا : وما هي؟ قال : تصبرون هنا إلى اختلاط الظلام. قال : فجلسوا ، فبعث لوط ابنته فقال : جيئي لهم بخبز وجيئي لهم بماء في القرعة وجيئي لهم بعباءة يتغطون بها من البرد. فلما أن ذهبت الابنة أقبل المطر ، وجرى الوادي ، فقال لوط : الساعة يذهب بالصبيان الوادي ، قال : قوموا حتى ____________________________________ نمضي ، وجعل لوط يمشي في أصل الحائط وجعلت الملائكة يمشون وسط الطريق فقال : يا بني امشوا هاهنا ، فقالوا : أمرنا سيدنا أن نمر وسطها. وكان لوط يستغنم الظلام. ومر إبليس وأخذ من حجر امرأة صبيا فطرحه في البئر فتصايح أهل المدينة كلهم على باب لوط ، فلما نظروا إلى الغلمان في منزل لوط قالوا : يا لوط قد دخلت في عملنا؟ فقال : هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني في ضيفي. قالوا : هم ثلاثة خذ واحدا وأعطنا اثنين. ثم أدخلهم الحجرة ، وقال : لو أن لي أهل بيت يمنعوني منكم؟ قال : وتدافعوا على الباب وكسروا باب لوط وطرحوا لوطا. فقال له جبرائيل : إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ، فأخذ جبرائيل كفا من بطحاء فضرب بها وجوههم وقالوا : شاهت الوجوه. فعمي أهل المدينة كلهم وقال لهم لوط : يا رسل ربي فما أمركم ربي فيهم؟ قالوا : أمرنا أن نأخذهم وقت السحر. قال : فلي إليكم حاجة؟ قالوا : وما حاجتك؟ قال : تأخذونهم الساعة ، فإني أخاف أن يرحمهمالله سبحانه ويصرف العذاب عنهم. فقالوا : يا لوط إن موعدهم الصبح أليس بقريب لمن يريد أن يأخذ؟ فخذ أنت بناتك وامض ودع امرأتك. وفي رواية أخرى : ففعل لوط ما أمر وخرج ببناته ليلا ودعوا زوجته لأنها كانت منافقة ، ولما خرج لوط من المدينة وجاء الصباح قلع جبرائيل المدينة ورفعها إلى السماء ثم قلبها وأمطر الله عليها وعلى أطرافها حجارة من سجيل. وفي بعض التفاسير : أن زوجة لوط هي التي أخبرت القوم بالضيوف (1). __________________ (1) الكافي : ج 5 ص 544. وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) ____________________________________