۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة عبس، آية ٢٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٢٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤ أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠ كـَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢ فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣ مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤ بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥ كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦ قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧ مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ١٨ مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢ كـَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ عَبَس وَ تَوَلى (1) أَن جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَ مَا يُدْرِيك لَعَلّهُ يَزّكى (3) أَوْ يَذّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمّا مَنِ استَغْنى (5) فَأَنت لَهُ تَصدّى (6) وَ مَا عَلَيْك أَلا يَزّكى (7) وَ أَمّا مَن جَاءَك يَسعَى (8) وَ هُوَ يخْشى (9) فَأَنت عَنْهُ تَلَهّى (10) َكلا إِنهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ (12) فى صحُفٍ مّكَرّمَةٍ (13) مّرْفُوعَةٍ مّطهّرَةِ (14) بِأَيْدِى سفَرَةٍ (15) كِرَامِ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الانسنُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَى شىْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نّطفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ (19) ثُمّ السبِيلَ يَسرَهُ (20) ثمّ أَمَاتَهُ فَأَقْبرَهُ (21) ثمّ إِذَا شاءَ أَنشرَهُ (22) َكلا لَمّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)

القراءة

قرأ عاصم غير الأعشى و البرجمي فتنفعه بالنصب و الباقون بالرفع و قرأ أهل الحجاز تصدى بالتشديد و الباقون «تصدى» بتخفيف الصاد و في الشواذ قراءة الحسن أن جاءه و قراءة أبي جعفر الباقر (عليه السلام) تصدى بضم التاء و فتح الصاد و تلهى بضم التاء أيضا و قراءة أبي حيوة و شعيب بن أبي حمزة نشره بغير ألف.

الحجة

قال أبو علي من قرأ فتنفعه بالرفع عطفه على ما تقدم من المرفوع و من قرأ بالنصب فعلى أنه جواب بالفاء لأن المتقدم غير موجب فكان قوله تعالى «يذكر» المعطوف على «يزكى» في معنى لعله يكون منه تذكر فانتفاع و كذا قوله لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع و قوله «تصدى» أي تعرض فمن قرأ بتشديد الصاد أدغم التاء في الصاد و من قرأ بالتخفيف أراد تتصدى فحذف التاء و لم يدغمها و قرأ ابن فليح و البزي عن ابن كثير تلهى بتشديد التاء على أنه شبه المنفصل بالمتصل و جاز وقوع الساكن بعد اللين كما جاز تمود الثوب في المتصل و حكى سيبويه فلا تناجوا و من قرأ أن جاءه بلفظ الاستفهام فتقديره الآن جاءه الأعمى و كان ذلك منه فعلق أن يفعل بمحذوف دل عليه «عبس و تولى» و أما على القراءة المشهورة فإن جاءه في موضع نصب بتولي لأنه الفعل الأقرب منه فكأنه قال تولى لمجيء الأعمى و هو مفعول به و من قرأ تصدى فالمعنى يدعوك داع من زينة الدنيا و بشارتها إلى

التصدي له و الإقبال عليه و على ذلك قوله تلهى أيضا أي تصرف عنه و من قرأ نشره فعلى أنه لغة في أنشره.

اللغة

التصدي التعرض للشيء كتعرض الصديان للماء و الصحف جمع صحيفة و العرب تسمي كل مكتوب فيه صحيفة كما تسميه كتابا رقا كان أو غيره و السفرة الكتب لأسفار الحكمة واحدهم سافر و واحد الأسفار سفر و أصله الكشف من قولهم سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها و سفرت القوم إذا أصلحت بينهم قال:

{وما أدع السفارة بين قومي --- و ما أمشي بغش إن مشيت}

و البررة جمع بار و هو فاعل البر و البر فعل النفع اجتلابا للمودة و أصله اتساع النفع و منه البر سمي به تفاؤلا باتساع النفع به و أقبره جعل له قبرا فالإقبار جعل القبر لدفن الميت فيه و يقال أقبرني فلانا أي اجعلني أقبره و القابر الدافن للميت بيده قال الأعشى:

{لو أسندت ميتا إلى نحرها --- عاش و لم ينقل إلى قابر} {حتى يقول الناس مما رأوا --- يا عجبا للميت الناشر}

و الإنشار الإحياء للتصرف بعد الموت كنشر الثوب بعد الطي.

الأعراب

«ثم السبيل يسره» انتصب السبيل بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر تقديره ثم يسر السبيل يسره له أي للإنسان ثم حذف الجار و المجرور و قوله «كلا لما يقض ما أمره» أي ما أمره به فحذف الباء فصار التقدير ما أمرهه فحذف الهاء الأولى فصار ما أمره فالهاء الباقية لما الموصولة و الهاء المحذوفة للإنسان.

النزول

قيل نزلت الآيات في عبد الله بن أم مكتوم و هو عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي و ذلك أنه أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو يناجي عتبة بن ربيعة و أبا جهل بن هشام و العباس بن عبد المطلب و أبيا و أمية ابني خلف يدعوهم إلى الله و يرجو إسلامهم فقال يا رسول الله أقرئني و علمني مما علمك الله فجعل يناديه و يكرر النداء و لا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقطعه

كلامه و قال في نفسه يقول هؤلاء الصناديد إنما أتباعه العميان و العبيد فأعرض عنه و أقبل على القوم الذين يكلمهم فنزلت الآيات و كان رسول الله بعد ذلك يكرمه و إذا رآه قال مرحبا بمن عاتبني فيه ربي و يقول له هل لك من حاجة و استخلفه على المدينة مرتين في غزوتين و قال أنس بن مالك فرأيته يوم القادسية و عليه درع و معه راية سوداء قال المرتضى علم الهدى قدس الله روحه ليس في ظاهر الآية دلالة على توجهها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل هو خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه و فيها ما يدل على أن المعنى بها غيره لأن العبوس ليس من صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الأعداء المباينين فضلا عن المؤمنين و المسترشدين ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء و يتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة و يؤيد هذا القول قوله سبحانه في وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) و إنك لعلى خلق عظيم و قوله و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فالظاهر أن قوله «عبس و تولى» المراد به غيره و قد روي عن الصادق (عليه السلام) أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه تقذر منه و جمع نفسه و عبس و أعرض بوجهه عنه فحكى الله سبحانه ذلك و أنكره عليه فإن قيل فلو صح الخبر الأول هل يكون العبوس ذنبا أم لا فالجواب أن العبوس و الانبساط مع الأعمى سواء إذ لا يشق عليه ذلك فلا يكون ذنبا فيجوز أن يكون عاتب الله سبحانه بذلك نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق و ينبهه بذلك على عظم حال المؤمن المسترشد و يعرفه أن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه و قال الجبائي في هذا دلالة على أن الفعل يكون معصية فيما بعد لمكان النهي فأما في الماضي فلا يدل على أنه كان معصية قبل أن ينهى عنه و الله سبحانه لم ينهه إلا في هذا الوقت و قيل أن ما فعله الأعمى نوعا من سوء الأدب فحسن تأديبه بالإعراض عنه إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه أعرض عنه لفقره و أقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم فعاتبه الله سبحانه على ذلك و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال مرحبا مرحبا لا و الله لا يعاتبني الله فيك أبدا و كان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يفعل به.

المعنى

«عبس» أي بسر و قبض وجهه «و تولى» أي أعرض بوجهه «أن جاءه الأعمى» أي لأن جاءه الأعمى «و ما يدريك لعله» أي لعل هذا الأعمى «يزكى» يتطهر بالعمل الصالح و ما يتعلمه منك «أو يذكر» أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن «فتنفعه الذكرى» في دينه قالوا و في هذا لطف من الله عظيم لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لم يخاطبه في باب العبوس فلم يقل عبست فلما جاوز العبوس عاد إلى الخطاب فقال و ما يدريك.

###

ثم قال «أما من استغنى» أي من كان عظيما في قومه و استغنى بالمال «فأنت له تصدى» أي تتعرض له و تقبل عليه بوجهك «و ما عليك ألا يزكى» أي أي شيء يلزمك إن لم يسلم و لم يتطهر من الكفر فإنه ليس عليك إلا البلاغ «و أما من جاءك يسعى» أي يعمل في الخير يعني ابن أم مكتوم «و هو يخشى» الله عز و جل «فأنت عنه تلهى» أي تتغافل و تشتغل عنه بغيره «كلا» أي لا تعد لذلك و انزجر عنه «إنها تذكرة» أي إن آيات القرآن تذكير و موعظة للخلق «فمن شاء ذكره» أي ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ و المعنى فمن شاء أن يذكره ذكره و في هذا دلالة على أن العبد قادر على الفعل مخير فيه و قوله «كلا» فيه دلالة على أنه ليس له أن يفعل ذلك في المستقبل و أما الماضي فلم يتقدم النهي عن ذلك فيه فلا يكون معصية ثم أخبر سبحانه بجلالة قدر القرآن عنده فقال «في صحف مكرمة» أي هذا القرآن أو هذه التذكرة في كتب معظمة عند الله و هي اللوح المحفوظ عن ابن عباس و قيل يعني كتب الأنبياء المنزلة عليهم كقوله إن هذا لفي الصحف الأولى «مرفوعة» في السماء السابعة و قيل مرفوعة قد رفعها الله عن دنس الأنجاس «مطهرة» لا يمسها إلا المطهرون و قيل مصونة عن أن تنالها أيدي الكفرة لأنها في أيدي الملائكة في أعز مكان عن الجبائي و قيل مطهرة من كل دنس عن الحسن و قيل مطهرة من الشك و الشبهة و التناقض «بأيدي سفرة» يعني الكتبة من الملائكة عن ابن عباس و مجاهد و قيل يعني السفراء بالوحي بين الله تعالى و بين رسله من السفارة و قال قتادة هم القراء يكتبونها و يقرءونها و روى فضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) قال الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة ثم أثنى عليهم فقال «كرام» على ربهم «بررة» مطيعين و قيل كرام عن المعاصي يرفعون أنفسهم عنها بررة أي صالحين متقين و قال مقاتل كان القرآن ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر إلى الكتبة من الملائكة ثم ينزل به جبريل (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ذكر سبحانه المكذبين بالقرآن فقال «قتل الإنسان» أي عذب و لعن الإنسان و هو إشارة إلى كل كافر عن مجاهد و قيل هو أمية بن خلف عن الضحاك و قيل هو عتبة بن أبي لهب إذ قال كفرت برب النجم إذا هوى «ما أكفره» أي ما أشد كفره و ما أبين ضلاله و هذا تعجب منه كأنه قد قال تعجبوا منه و من كفره مع كثرة الشواهد على التوحيد و الإيمان و قيل أن ما للاستفهام أي أي شيء أكفره و أوجب كفره عن مقاتل و الكلبي فكأنه قال ليس هاهنا شيء يوجب الكفر و يدعو إليه فما الذي دعاه إليه مع كثرة نعم الله عليه، ثم بين سبحانه من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه فقال «من أي شيء خلقه» لفظه استفهام و معناه التقرير و قيل معناه لم لا ينظر إلى أصل خلقته من أي شيء خلقه الله ليدله على وحدانية الله تعالى ثم فسر فقال «من نطفة خلقه فقدره» أطوارا نطفة ثم علقة إلى آخر خلقة و على حد معلوم من طوله و قصره

و سمعه و بصره و حواسه و أعضائه و مدة عمره و رزقه و جميع أحواله «ثم السبيل يسره» أي ثم يسر سبيل الخروج من بطن أمه حتى خرج منه عن ابن عباس و قتادة و ذلك أن رأسه كان إلى رأس أمه و كذلك رجلاه كانتا إلى رجليها فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه منها و قيل ثم السبيل أي سبيل الدين يسره و طريق الخير و الشر بين له و خيره و مكنه من فعل الخير و اجتناب الشر و نظيره و هديناه النجدين عن مجاهد و الحسن و ابن زيد «ثم أماته» أي خلق الموت فيه و قيل أزال عنه حياته «فأقبره» أي صيره بحيث يقبر و جعله ذا قبر عن أبي مسلم و قيل جعله مقبورا و لم يجعله ممن يلقى إلى السباع و الطير عن الفراء و قيل أمر بأن يقبر عن أبي عبيدة «ثم إذا شاء أنشره» أي أحياه من قبره و بعثه إذا شاء تعالى أن يحييه للجزاء و الحساب و الثواب و العقاب عن الحسن «كلا» أي حقا «لم يقض» أي لم يقض «ما أمره» الله به من إخلاص عبادته و لم يؤد حق الله تعالى عليه مع كثرة نعمه قال مجاهد هو على العموم في الكافر و المسلم لم يعبده أحد حق عبادته.