۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المدثر، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٣١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا ١١ وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا ١٢ وَبَنِينَ شُهُودٗا ١٣ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ١٤ ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ ١٥ كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦ سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ١٧ إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨ فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢ ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ٢٣ فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ٢٥ سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ ٢٦ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ٢٧ لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ ٢٨ لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ ٢٩ عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ٣٠ وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ذَرْنى وَ مَنْ خَلَقْت وَحِيداً (11) وَ جَعَلْت لَهُ مَالاً مّمْدُوداً (12) وَ بَنِينَ شهُوداً (13) وَ مَهّدت لَهُ تَمْهِيداً (14) ثمّ يَطمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) َكلا إِنّهُ كانَ لاَيَتِنَا عَنِيداً (16) سأُرْهِقُهُ صعُوداً (17) إِنّهُ فَكّرَ وَ قَدّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْف قَدّرَ (19) ثمّ قُتِلَ كَيْف قَدّرَ (20) ثمّ نَظرَ (21) ثمّ عَبَس وَ بَسرَ (22) ثمّ أَدْبَرَ وَ استَكْبرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشرِ (25) سأُصلِيهِ سقَرَ (26) وَ مَا أَدْرَاك مَا سقَرُ (27) لا تُبْقِى وَ لا تَذَرُ (28) لَوّاحَةٌ لِّلْبَشرِ (29) عَلَيهَا تِسعَةَ عَشرَ (30) وَ مَا جَعَلْنَا أَصحَب النّارِ إِلا مَلَئكَةً وَ مَا جَعَلْنَا عِدّتهُمْ إِلا فِتْنَةً لِّلّذِينَ كَفَرُوا لِيَستَيْقِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَ يَزْدَادَ الّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَناً وَ لا يَرْتَاب الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الّذِينَ فى قُلُوبهِم مّرَضٌ وَ الْكَفِرُونَ مَا ذَا أَرَادَ اللّهُ بهَذَا مَثَلاً كَذَلِك يُضِلّ اللّهُ مَن يَشاءُ وَ يهْدِى مَن يَشاءُ وَ مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّك إِلا هُوَ وَ مَا هِىَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشرِ (31)

اللغة

التمهيد و التوطئة و التذليل و التسهيل نظائر و العنيد الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له يقال عند العرق يعند عنودا فهو عاند إذا نفر و المعاندة منافرة المضادة و كذلك العناد و بعير عنود أي نافر قال الشاعر:

{إذا نزلت فاجعلوني وسطا --- إني كبير لا أطيق العندا}

و الإرهاق الإعجاز بالعنف و الصعود العقبة التي يصعب صعودها و هي الكؤود و عبس يعبس عبوسا إذا قبض وجهه و العبوس و التكليح و التقطيب نظائر و ضدها الطلاقة و البشاشة و البسور بدو التكره في الوجه و أصله من بسر بالأمر إذا عجل به و منه البسر لتعجيل حاله قبل الإرطاب قال توبة:

{و قد رابني منها صدود رأيته --- و إعراضها عن حاجتي و بسورها}

و الإصلاء إلزام موضع النار يقال أصليته فاصطلى و سقر اسم من أسماء جهنم لم يصرف للتأنيث و التعريف و أصله من سقرته الشمس سقرا إذا ألمت دماغه و الإبقاء ترك شيء مما أخذ و التلويح تغيير اللون إلى الاحمرار و لوحته الشمس تلويحا فهي لواحة على المبالغة و البشر جمع بشرة و هي ظاهر الجلد و منه سمي الإنسان بشرا لأنه ظاهر الجلد بتعريه من الوبر و الريش و الصوف الذي يكون في غيره من الحيوان.

الإعراب

وحيدا منصوب على الحال و هو على وجهين أحدهما أن يكون من صفة الله أي ذرني و من خلقته وحدي و الآخر أن يكون من صفة المخلوق.

النزول

نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي و ذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد إنكم ذوو أحساب و ذوو أحلام و إن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف فاجمعوا أمركم على شيء واحد ما تقولون في هذا الرجل قالوا نقول إنه شاعر فعبس عندها و قال قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر فقالوا نقول إنه كاهن قال إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة قالوا نقول إنه لمجنون فقال إذا تأتونه فلا تجدونه مجنونا قالوا نقول إنه ساحر قال و ما الساحر فقالوا بشر يحببون بين المتباغضين

و يبغضون بين المتحابين قال فهو ساحر فخرجوا فكان لا يلقى أحد منهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا قال يا ساحر يا ساحر و اشتد عليه ذلك فأنزل الله تعالى أيها المدثر إلى قوله «إلا قول البشر» عن مجاهد و يروى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أنزل عليه حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب قام إلى المسجد و الوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال و الله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجن و إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة و إن أعلاه لمثر و إن أسفله لمغدق و إنه ليعلو و ما يعلى ثم انصرف إلى منزله فقال قريش صبا و الله و الوليد و الله لتصبان قريش كلهم و كان يقال للوليد ريحانة قريش فقال لهم أبو جهل أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزينا فقال لي ما أراك حزينا يا ابن أخي قال هذه قريش يعيبونك على كبر سنك و يزعمون أنك زينت كلام محمد فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال أ تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط فقالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه كاهن فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك قالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه أنه بنطق بشعر قط قالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب فقالوا اللهم لا و كان يسمى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه فقالت قريش للوليد فما هو فتفكر في نفسه ثم نظر و عبس فقال ما هو إلا ساحر ما رأيتموه يفرق بين الرجل و أهله و ولده و مواليه فهو ساحر و ما يقوله سحر يؤثر.

###

المعنى

ثم قال سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه التهديد للكافر الذي وصفه «ذرني و من خلقت وحيدا» أي دعني و إياه فإني كاف له في عقابه كما يقول القائل دعني و إياه و معناه دعني و من خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه و إن حملته على صفة المخلوق فمعناه دعني و من خلقته في بطن أمه واحد لا مال له و لا ولد يعني الوليد بن المغيرة قال مقاتل معناه خل بيني و بينه فأنا أفرد بهلكته و قال ابن عباس كان الوليد يسمى الوحيد في قومه و روى العياشي بإسناده عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي عبد الله و أبي جعفر (عليه السلام) أن الوحيد ولد الزنا قال زرارة ذكر لأبي جعفر (عليه السلام) عن أحد بني هشام أنه قال في خطبته أنا ابن الوحيد فقال ويله لو علم ما الوحيد ما فخر بها فقلنا له و ما هو من لا يعرف له أب ثم ذكر سبحانه رزقه المال و الولد فقال «و جعلت له مالا ممدودا» ما بين مكة إلى

الطائف من الإبل المؤبلة و الخيل المسومة و النعم المرحلة و المستغلات التي لا تنقطع غلتها و الجواري و العبيد و العين الكثيرة عن عطاء عن ابن عباس و قيل الممدود الكثير الذي لا تنقطع غلته عنه سنة حتى يدرك غلة سنة أخرى فهو ممدود على الأيام و كان له بستان بالطائف لا ينقطع خيره في شتاء و لا صيف و عشرة بنين و مائة ألف دينار عن مجاهد و قيل ستة آلاف دينار عن قتادة و قيل أربعة آلاف دينار عن سفيان «و بنين شهودا» حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه لغناهم عن ركوب السفر للتجارة قال سعيد بن جبير كانوا ثلاثة عشر و قال مقاتل كانوا سبعة الوليد و خالد و عمارة و هشام و العاص و قيس و عبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد و هشام و عمارة قالوا فما زال الوليد بعد هذه الآية في نقصان من ماله و ولده حتى هلك «و مهدت له تمهيدا» أي بسطت له في العيش بسطا حتى صار مكفي المئونة من كل وجه حتى صارت أحواله متناسبة عن الحسن و غيره و قيل سهلت له و قيل سهلت له التصرف في الأمور تسهيلا «ثم يطمع أن أزيد» أي لم يشكرني على هذه النعم بل كفر نعمائي و هو مع ذلك يطمع أن أزيد في إنعامه ثم قال على وجه الردع و الزجر «كلا» أي لا يكون كما ظن و لا أزيده مع كفره و قيل كلا معناه انزجر و ارتدع فليس الأمر على ما تتوهم ثم بين سبحانه كفره فقال «إنه كان لآياتنا عنيدا» أي إنما لم نفعل به ذلك لأنه كان بحججنا و أدلتنا معاندا ينكرها مع معرفته بها و قيل عنيدا جحودا عن ابن عباس و قتادة «سأرهقه صعودا» أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه و قيل صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت و كذلك رجله في خبر مرفوع و قيل هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد و يضرب من خلفه بمقاطع الحديد فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي «إنه فكر» و دبر ما ذا يقول في القرآن «و قدر» القول في نفسه و إنما فكر ليحتال به للباطل لأنه لو فكر على وجه طلب الرشاد لكان ممدوحا و قدر فقال إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به و إن قلنا كاهن لم يصدقونا لأن كلامه لا يشبه كلام الكهان فنقول ساحر يؤثر ما أتى به عن غيره من السحرة «فقتل» أي لعن و عذب و قيل لعن بما يجري مجرى القتل و قيل استحق العذاب عن الجبائي «كيف قدر» قال صاحب النظم معناه لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام لأضربنه كيف صنع أي على أي حال كان منه «ثم قتل كيف قدر» هذا تكرير للتأكيد و قيل معناه كيف

###

قدر في آياتنا ما قدر مع وضوح الحجة ثم لعن و عوقب بعقاب آخر كيف قدر في إبطال الحق تقدير آخر و قيل معناه عوقب في الآخرة مرة بعد مرة «ثم نظر» في طلب ما يدفع به القرآن و يرده «ثم عبس و بسر» أي كلح و كره وجهه و نظر بكراهة شديدة كالمتهم المتفكر في الشيء «ثم أدبر» عن الإيمان «و استكبر» أي تكبر حين دعا إليه «فقال إن هذا» أي ما هذا القرآن «إلا سحر يؤثر» أي يروي عن السحرة و قيل هو من الإيثار أي سحر تؤثره النفوس و تختاره لحلاوته فيها «إن هذا إلا قول البشر» أي ما هذا إلا كلام الإنس و ليس من عند الله و لو كان القرآن سحرا أو من كلام البشر كما قاله الملعون لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله و لقدر هو و غيره مع فصاحتهم على الإتيان بسورة مثله ثم قال سبحانه مهددا له «سأصليه سقر» أي سادخله جهنم و ألزمه إياها و قيل سقر دركة من دركات جهنم و قيل باب من أبوابها «و ما أدريك» أيها السامع «ما سقر» في شدتها و هولها و ضيقها ثم وصف بعض صفاتها فقال «لا تبقي و لا تذر» أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته و لا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا عن مجاهد و قيل لا تبقي شيئا إلا أحرقته و لا تذر أي لا تبقي عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب عن الجبائي «لواحة للبشر» أي مغيرة للجلود و قيل لافحة للجلود حتى تدعها أشد سوادا من الليل «عليها تسعة عشر» من الملائكة هم خزنتها مالك و معه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف و أنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة تسع كف أحدهم مثل ربيعة و مضر نزعت منهم الرحمة يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم و قيل معناه على سقر تسعة عشر ملكا و هم خزان سقر و للنار و دركاتها الآخر خزان آخرون و قيل إنما خصوا بهذا العدد ليوافق المخبر الخبر لما جاء به الأنبياء قبله و ما كان من الكتب المتقدمة و يكون في ذلك مصلحة للمكلفين و قال بعضهم في تخصيص هذا العدد أن تسعة عشر يجمع أكثر القليل من العدد و أقل الكثير منه لأن العدد آحاد و عشرات و مئات و ألوف فأقل العشرات عشرة و أكثر الآحاد تسعة قالوا و لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم أ تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر و أنتم الدهم الشجعان أ فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم فقال أبو الأسد الجمحي أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري و سبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين فنزل «و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة» الآية عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و معناه و ما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل

النار و لم نجعلهم من بني آدم كما تعهدون أنتم فتطيقونهم «و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا» أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة و تشديدا في التكليف للذين كفروا نعم الله و جحدوا وحدانيته حتى يتفكروا فيعلموا أن الله سبحانه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة و يعلموا أنه قادر على أن يزيد في قواهم ما يقدرون به على تعذيب الخلائق و لو راجع الكفار عقولهم لعلموا أن من سلط ملكا واحدا على كافة بني آدم لقبض أرواحهم فلا يغلبونه قادر على سوق بعضهم إلى النار و جعلهم فيها بتسعة عشر من الملائكة «ليستيقن الذين أوتوا الكتاب» من اليهود و النصارى أنه حق و إن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) صادق من حيث أخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لها و لا تعلم منهم «و يزداد الذين آمنوا إيمانا» أي يقينا بهذا العدد و بصحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أخبرهم أهل الكتاب أنه مثل ما في كتابهم «و لا يرتاب الذين أوتوا الكتاب و المؤمنون» أي و لئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة و المعنى و ليستيقن من لم يؤمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و من آمن به صحة نبوته إذا تدبروا و تفكروا «و ليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا» اللام هنا لام العاقبة أي عاقبة أمر هؤلاء أن يقولوا هذا يعني المنافقين و الكافرين و قيل معناه و لأن يقولوا ما ذا أراد الله بهذا الوصف و العدد و يتدبروه فيؤدي بهم التدبر في ذلك إلى الإيمان «كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء» أي مثل ما جعلنا خزنة أصحاب النار ملائكة ذوي عدد محنة و اختبارا تكلف الخلق ليظهر الضلال و الهدى و أضافهما إلى نفسه لأن سبب ذلك التكليف و هو من جهته و قيل يضل عن طريق الجنة و الثواب من يشاء و يهدي من يشاء إليه «و ما يعلم جنود ربك إلا هو» أي ما يعلم جنود ربك من كثرتها أحد إلا هو و لم يجعل خزنة النار تسعة عشر لقلة جنوده و لكن الحكمة اقتضت ذلك و قيل هذا جواب أبي جهل حين قال ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر عن مقاتل و قيل معناه و ما يعلم عدة الملائكة الذين خلقهم الله لتعذيب أهل النار إلا الله عن عطاء و المعنى أن التسعة عشر هم خزنة النار و لهم من الأعوان و الجنود ما لا يعلمه إلا الله ثم رجع إلى ذكر سقر فقال «و ما هي إلا ذكرى للبشر» أي تذكرة و موعظة للعالم ليتذكروا فيتجنبوا ما يستوجبون به ذلك و قيل معناه و ما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة للبشر من نار الآخرة حتى يتفكروا فيها فيحذروا نار الآخرة و قيل ما هذه السورة إلا تذكرة للناس و قيل و ما هذه الملائكة التسعة عشر إلا عبرة للخلق يستدلون بذلك على كمال قدرة الله تعالى و ينزجرون عن المعاصي.