۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القلم، آية ٤٧

التفسير يعرض الآيات ٤٦ إلى ٥٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦ أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧ فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨ لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩ فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠ وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَمْ تَسئَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مّغْرَمٍ مّثْقَلُونَ (46) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْب فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصبرْ لحُِكْمِ رَبِّك وَ لا تَكُن كَصاحِبِ الحُْوتِ إِذْ نَادَى وَ هُوَ مَكْظومٌ (48) لّوْ لا أَن تَدَرَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَهُ رَبّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصلِحِينَ (50) وَ إِن يَكادُ الّذِينَ كَفَرُوا لَيزْلِقُونَك بِأَبْصرِهِمْ لَمّا سمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنّهُ لمََجْنُونٌ (51) وَ مَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ (52)

القراءة

قرأ أهل المدينة ليزلقونك بفتح الياء و الباقون «ليزلقونك» بضم الياء.

الحجة

من قرأ بفتح الياء جعله من زلقه و زلقته أنا مثل حزن و حزنته و شترت عينه و شترتها قال أبو علي و الخليل يذهب في ذلك إلى أن المعنى جعلت فيه شترا و جعلت فيه حزنا كما أنك إذا قلت كحلته و دهنته أردت جعلت ذلك فيه و من قرأ أزلقه الفعل بالهمزة و معنى «يزلقونك بأبصارهم» ينظرون إليك نظر البغضاء كما ينظر الأعداء و مثله قول الشاعر:

{يتقارضون إذا التقوا في مجلس --- نظرا يزيل مواقع الأقدام}

اللغة

المغرم ما يلزم من الدين الذي يلح في اقتضائه و أصله من اللزوم بالإلحاح و منه قوله إن عذابها كان غراما أي لازما ملحا قال الشاعر:

{و يوم الجفار و يوم النسار --- كانا عذابا و كانا غراما}

و المثقل المحمل الثقل و هو مثقل بالدين و مثقل بالعيال و مثقل بما عليه من الحقوق اللازمة و أمور الواجبة و المكظوم المحبوس عن التصرف في الأمور و منه كظمت رأس القربة إذا شددته و كظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو إليه و كظم خصمه إذا أجابه بالمسكت و العراء الأرض العارية من النبات قال قيس بن جعدة:

{و رفعت رجلا لا أخاف عثارها --- و نبذت بالبلد العراء ثيابي}

المعنى

ثم خاطب سبحانه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال على وجه التوبيخ للكفار «أم تسئلهم أجرا» هذا عطف على قوله أم لكم كتاب فيه تدرسون ذكر سبحانه جميع ما يحتج به فقال أم تسأل يا محمد هؤلاء الكفار أجزاء على أداء الرسالة و الدعاء إلى الله «فهم من مغرم» أي هم من لزوم ذلك «مثقلون» أي محملون الأثقال «أم عندهم الغيب فهم يكتبون» أي هل عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصموا به لا يعلمه غيرهم فهم يكتبونه و يتوارثونه و ينبغي أن يبرزوه ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «فاصبر لحكم ربك» في إبلاغ الرسالة و ترك مقابلتهم بالقبيح و قيل اللام تجري مجرى إلى و المعنى اصبر إلى أن يحكم الله بنصر أوليائك و قهر أعدائك و قيل معناه فاصبر لحكم الله في التخلية بين الظالم و المظلوم حتى يبلغ الكتاب أجله «و لا تكن كصاحب الحوت» يعني يونس أي لا تكن مثله في استعجال عقاب قومه و إهلاكهم و لا تخرج من بين قومك من قبل أن يأذن لك الله كما خرج هو «إذ نادى و هو مكظوم» أي دعا ربه في جوف الحوت و هو محبوس عن التصرف في الأمور و الذي نادى به قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين و قيل مكظوم أي مخنق بالغم إذ لم يجد لغيظه شفاء «لو لا أن تداركه نعمة من ربه» أي لو لا أن أدركته رحمة من ربه بإجابة دعائه و تخليصه من بطن الحوت و تبقيته فيه حيا و إخراجه منه حيا «لنبذ» أي طرح «بالعراء» أي الفضاء «و هو مذموم» ملوم مليم قد أتى بما يلام عليه و لكن الله تعالى تداركه بنعمة من عنده فطرح بالعراء و هو غير مذموم «فاجتباه ربه» أي اختاره الله نبيا «فجعله من الصالحين» أي من جملة المطيعين لله التاركين لمعاصيه «و إن يكاد الذين كفروا» إن هذه هي المخففة من الثقيلة و التقدير و أنه يكاد أي قارب الذين كفروا «ليزلقونك بأبصارهم» أي ليزهقونك أي يقتلونك و يهلكونك عن ابن عباس و كان يقرأها كذلك و قيل ليصرعونك عن الكلبي و قيل يصيبونك بأعينهم عن السدي و الكل يرجع في المعنى إلى الإصابة بالعين و المفسرون كلهم على أنه المراد في الآية و أنكر الجبائي ذلك و قال إن إصابة العين لا تصح و قال علي بن عيسى الرماني و هذا الذي ذكره غير صحيح لأنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة لصحة ذلك لضرب من المصلحة و عليه إجماع المفسرين و جوزه العقلاء فلا مانع منه و جاء في الخبر أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أ فأسترقي لهم قال نعم فلو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين و قيل إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام ثم كان يصفه فيصرعه بذلك و ذلك بأن يقول للذي يريد أن يصيبه بالعين لا أرى كاليوم إبلا أو شاء أو ما أراد أي كإبل أراها اليوم

فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كانوا يقولون لما يريدون أن يصيبوه بالعين عن الفراء و الزجاج و قيل معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن و الدعاء إلى التوحيد نظر عداوة و بغض و إنكار لما يسمعونه و تعجب منه فيكادون يصرعونك بحدة نظرهم و يزيلونك عن موضعك و هذا مستعمل في الكلام يقولون نظر إلي فلان نظرا يكاد يصرعني و نظرا يكاد يأكلني فيه و تأويله كله أنه نظر إلي نظرا لو أمسكنه معه أكلي أو يصرعني لفعل عن الزجاج و قوله «لما سمعوا الذكر» يعني القرآن «و يقولون» مع ذلك «إنه لمجنون» أي مغلوب على عقله مع علمهم بوقاره و وفور عقله تكذيبا عليه و معاندة له «و ما هو» أي و ما القرآن «إلا ذكر» أي شرف «للعالمين» إلى أن تقوم الساعة و قيل معناه و ما محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا شرف للخلق حيث هداهم إلى الرشد و أنقذهم من الضلالة لما نسبوه إلى الجنون و صفة بما ينفي ذلك عنه و قيل المراد بالذكر أنه يذكرهم أمر آخرتهم و الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد قال الحسن دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية.