۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الجمعة، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦ وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧ قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠ وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُلْ يَأَيهَا الّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنّكُمْ أَوْلِيَاءُ للّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنّوُا المَْوْت إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (6) وَ لا يَتَمَنّوْنَهُ أَبَدَا بِمَا قَدّمَت أَيْدِيهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمُ بِالظلِمِينَ (7) قُلْ إِنّ الْمَوْت الّذِى تَفِرّونَ مِنْهُ فَإِنّهُ مُلَقِيكمْ ثُمّ تُرَدّونَ إِلى عَلِمِ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِى لِلصلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصلَوةُ فَانتَشِرُوا فى الأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِن فَضلِ اللّهِ وَ اذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لّعَلّكمْ تُفْلِحُونَ (10) وَ إِذَا رَأَوْا تجَرَةً أَوْ لهَْواً انفَضوا إِلَيهَا وَ تَرَكُوك قَائماً قُلْ مَا عِندَ اللّهِ خَيرٌ مِّنَ اللّهْوِ وَ مِنَ التِّجَرَةِ وَ اللّهُ خَيرُ الرّزِقِينَ (11)

اللغة

الزعم قول عن ظن أو علم و لذلك صار من باب الظن و العلم و عمل ذلك العمل قال:

{فإن تزعميني كنت أجهل فيكم --- فإني شريت الحلم بعدك بالجهل}

و الأولياء جمع ولي و هو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة و الله ولي المؤمنين لأنه يوليهم النصرة عند حاجتهم و المؤمن ولي الله لهذه العلة و يجوز أن يكون لأنه يولي المطيع له نصرة عند حاجته و التمني هو قول القائل لما كان ليته لم يكن و لما لم يكن ليته كان فهو يتعلق بالماضي و المستقبل و هو من جنس الكلام عن الجبائي و القاضي و قال أبو هاشم هو معنى في النفس يوافق هذا القول و الجمعة و الجمعة لغتان و جمعها جمع و جمعات قال الفراء و فيها لغة ثالثة جمعة بفتح الميم كضحكة و همزة و إنما سمي جمعة لأنه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات و قيل لأنه تجتمع فيه الجماعات و قيل إن أول من سماها جمعة كعب بن لؤي و هو أول من قال أما بعد و كان يقال للجمعة العروبة عن أبي سلمة و قيل إن أول من سماها جمعة الأنصار قال ابن سيرين جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة و قيل قبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام و للنصارى يوم أيضا مثل ذلك فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله عز و جل و نشكره و كما قالوا يوم السبت لليهود و يوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة

فصلى بهم يومئذ و ذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا و تعشوا من شاة واحدة و ذلك لقلتهم فأنزل الله تعالى في ذلك «إذا نودي للصلوة» الآية فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام فأما أول جمعة جمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصحابه فقيل إنه قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهاجرا حتى نزل قبا على عمرو بن عوف و ذلك يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضحى فأقام بقبا يوم الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و أسس مسجدهم ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد و كانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإسلام فخطب في هذه الجمعة و هي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل فقال الحمد لله أحمده و أستعينه و أستغفره و أستهديه و أومن به و لا أكفره و أعادي من يكفره و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و النور و الموعظة على فترة من الرسل و قلة من العلم و ضلالة من الناس و انقطاع من الزمان و دنو من الساعة و قرب من الأجل من يطع الله و رسوله فقد رشد و من يعصهما فقد غوى و فرط و ضل ضلالا بعيدا أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة و أن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه و إن تقوى الله لمن عمل به على وجل و مخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة و من يصلح الذي بينه و بين الله من أمره في السر و العلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره و ذخرا فيما بعد الموت و حين يفتقر المرء إلى ما قدم و ما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه و بينه أمدا بعيدا و يحذركم الله نفسه و الله رءوف بالعباد و الذي صدق قوله و نجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول ما يبدل القول لدي و ما أنا بظلام للعبيد فاتقوا الله في عاجل أمركم و آجله في السر و العلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا و من يتق الله فقد فاز فوزا عظيما و إن تقوى الله توقي مقته و توقي عقوبته و توقي سخطه و إن تقوى الله تبيض الوجوه و ترضي الرب و ترفع الدرجة خذوا بحظكم و لا تفرطوا في جنب الله فقد علمكم الله كتابه و نهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا و يعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم و عادوا أعداءه و جاهدوا في سبيل الله حق جهاده هو اجتباكم و سماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لا حول و لا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله و اعلموا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه و بين الله يكفه الله ما بينه و بين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس و لا يقضون عليه و يملك من الناس و لا يملكون منه الله أكبر و لا قوة إلا بالله العلي العظيم فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة.

النزول

قال جابر بن عبد الله أقبلت عير و نحن نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجمعة فانفض الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت الآية «و إذا رأوا تجارة أو لهوا» و قال الحسن و أبو مالك أصاب أهل المدينة جوع و غلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا رهط فنزلت الآية فقال و الذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا و قال المقاتلان بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة و كان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته و كان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو غيره فينزل عند أحجار الزيت و هو مكان في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه فقدم ذات جمعة و كان ذلك قبل أن يسلم و رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم على المنبر يخطب فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا و امرأة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لو لا هؤلاء لسموت عليهم الحجارة من السماء و أنزل الله هذه الآية و قيل لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس و قيل إلا أحد عشر رجلا عن ابن كيسان و قيل إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام و كل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل.

المعنى

لما تقدم ذكر اليهود في إنكارهم ما في التوراة أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطبهم بما يفحمهم فقال «قل» يا محمد «يا أيها الذين هادوا» أي سموا يهودا «إن زعمتم أنكم أولياء لله» أي إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم أنصار الله و أن الله ينصركم «من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين» إنكم أبناء الله و أحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه ثم أخبر سبحانه عن حالهم في كذبهم و اضطرابهم في دعواهم و أنهم غير واثقين بذلك فقال «و لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم» من الكفر و المعاصي «و الله عليم بالظالمين» أي عالم بأفعالهم و أحوالهم و قد تقدم تفسير الآيتين في سورة البقرة و فيه معجزة للرسول لأنه أخبر أنهم لا يتمنون الموت أبدا لما يعرفون من صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كذبهم فكان الأمر كما قال و روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لو تمنوا لماتوا عن آخرهم «قل» يا محمد «إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم» أي إنكم و إن فررتم من الموت و كرهتموه فإنه لا بد ينزل بكم و يلقاكم و يدرككم و لا ينفعكم الهرب منه و إنما قال فإنه ملاقيكم بالفاء سواء فروا منه أو لم يفروا منه فإنه ملاقيهم مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه لأنه إذا كان الفرار بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معنى للتعرض للفرار لأنه لا يباعد منه و إلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله كل امرىء لاق ما يفر منه و الأجل مساق النفس و الهرب منه موافاته و قال زهير:

{و من هاب أسباب المنايا ينلنه --- و لو نال أسباب السماء بسلم}

###

و لا شك أنها تناله هابها أو لم يهبها و لكنه إذا كانت هيبته بمنزلة السبب للمنية فالهيبة لا معنى لها و قيل إن التقدير قل إن الموت هو الذي تفرون منه فجعل الذي في موضع الخبر لا صفة للموت و يكون «فإنه» مستأنفا «ثم تردون إلى عالم الغيب و الشهادة» أي ترجعون إلى الله الذي يعلم سركم و علانيتكم يوم القيامة «فينبؤكم بما كنتم تعملون» في دار الدنيا و يجازيكم بحسبها ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة» أي إذا أذن لصلاة الجمعة و ذلك إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة و ذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نداء سواه قال السايب بن زيد كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤذن واحد بلال فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة ثم كان أبو بكر و عمر كذلك حتى إذا كان عثمان و كثر الناس و تباعدت المنازل زاد أذانا فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق و يقال له الزوراء و كان يؤذن له عليها فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه «فاسعوا إلى ذكر الله» أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين عن قتادة و ابن زيد و الضحاك و قال الزجاج معناه فامضوا إلى السعي الذي هو الإسراع و قرأ عبد الله بن مسعود فامضوا إلى ذكر الله و روي ذلك عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و عمر بن الخطاب و أبي بن كعب ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و قال ابن مسعود لو علمت الإسراع لأسرعت حتى يقع ردائي عن كتفي و قال الحسن ما هو السعي على الأقدام و قد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا و عليهم السكينة و الوقار و لكن بالقلوب و النية و الخشوع و قيل المراد بذكر الله الخطبة التي تتضمن ذكر الله و المواعظ «و ذروا البيع» أي دعوا المبايعة قال الحسن كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فإنه بيع حرام لا يجوز و هذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه «ذلكم» يعني ما أمرتكم به من حضور الجمعة و استماع الذكر و أداء الفريضة و ترك البيع «خير لكم» و أنفع لكم عاقبة «إن كنتم تعلمون» منافع الأمور و مضارها و مصالح أنفسكم و مفاسدها.

و قيل معناه اعلموا ذلك عن الجبائي و في هذه الآية دلالة على وجوب الجمعة و في تحريم جميع التصرفات عند سماع أذان الجمعة لأن البيع إنما خص بالنهي عنه لكونه من أعم التصرفات في أسباب المعاش و فيها دلالة على أن الخطاب للأحرار لأن العبد لا يملك البيع و على اختصاص الجمعة بمكان و لذلك أوجب السعي إليه و فرض الجمعة لازم جميع المكلفين إلا أصحاب الأعذار من السفر أو المرض أو العمى أو العرج أو أن يكون امرأة أو شيخا هما لا حراك به أو عبدا أو يكون على رأس أكثر من فرسخين من الجامع و عند حصول هذه الشرائط لا يجب إلا عند حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان للصلاة.

و العدد يتكامل عند أهل البيت (عليهم السلام) بسبعة و قيل ينعقد بثلاثة سوى الإمام عن أبي حنيفة و الثوري و قيل إنما ينعقد بأربعين رجلا أحرارا بالغين مقيمين عن الشافعي و قيل ينعقد باثنين سوى الإمام عن أبي يوسف و قيل ينعقد بواحد كسائر الجماعات عن الحسن و داود و الاختلاف بين الفقهاء في مسائل الجمعة كثير موضعه كتب الفقه «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» يعني إذا صليتم الجمعة و فرغتم منها فتفرقوا في الأرض «و ابتغوا من فضل الله» أي و اطلبوا الرزق في البيع و الشراء و هذا إباحة و ليس بأمر و إيجاب و روي عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في قوله «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا» الآية ليس بطلب دنيا و لكن عيادة مريض و حضور جنازة و زيارة أخ في الله و قيل المراد بقوله «و ابتغوا من فضل الله» طلب العلم عن الحسن و سعيد بن جبير و مكحول و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال الصلاة يوم الجمعة و الانتشار يوم السبت و روى عمرو بن زيد عن أبي عبد الله قال إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحى في طلب الحلال أ ما تسمع قول الله عز اسمه «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله» أ رأيت لو أن رجلا دخل بيتا و طين عليه بابه ثم قال رزقي ينزل علي كان يكون هذا أما أنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم قال قلت من هؤلاء الثلاثة قال رجل تكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها لخلى سبيلها و الرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحده حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له لأنه ترك ما أمر به و الرجل يكون عنده الشيء فيجلس في بيته فلا ينتشر و لا يطلب و لا يلتمس حتى يأكله ثم يدعو فلا يستجاب له «و اذكروا الله كثيرا» أي اذكروه على إحسانه و اشكروه على نعمه و على ما وفقكم من طاعته و أداء فرضه و قيل إن المراد بالذكر هنا الفكر كما قال تفكر ساعة خير من عبادة سنة و قيل معناه اذكروا الله في تجارتكم و أسواقكم كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس و شغلهم بما فيه كتب له ألف حسنة و يغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر «لعلكم تفلحون» أي لتفلحوا و تفوزوا بثواب النعيم علق سبحانه الفلاح بالقيام بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة و غيرها و صح الحديث عن أبي ذر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و لبس صالح ثيابه و مس من طيب بيته أو دهنه ثم لم يفرق بين اثنين غفر الله له ما بينه و بين الجمعة الأخرى و زيادة ثلاثة أيام بعدها أورده البخاري في الصحيح.

و روى سلمان التميمي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن الله عز و جل في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجب النار ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بالأم اللؤم فقال «و إذا رأوا تجارة أو لهوا» أي عاينوا ذلك و قيل معناه إذا علموا بيعا و شراء أو لهوا و هو الطبل عن مجاهد و قيل المزامير عن جابر «انفضوا إليها» أي تفرقوا عنك خارجين إليها و قيل مالوا إليها و الضمير للتجارة و إنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم و هم بها أسر من الطبل لأن الطبل إنما دل على التجارة عن الفراء و قيل عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به و كأنه على حذف و المعنى و إذا رأوا تجارة انفضوا إليها و إذا رأوا لهوا انفضوا إليه فحذف إليه لأن إليها يدل عليه و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال انصرفوا إليها «و تركوك قائما» تخطب على المنبر قال جابر بن سمرة ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب إلا و هو قائم فمن حدثك أنه خطب و هو جالس فكذبه و سئل عبد الله بن مسعود أ كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب قائما فقال أ ما تقرأ «و تركوك قائما» و قيل أراد قائما في الصلاة ثم قال تعالى «قل» يا محمد لهم «ما عند الله» من الثواب على سماع الخطبة و حضور الموعظة و الصلاة و الثبات مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «خير» و أحمد عاقبة و أنفع «من اللهو و من التجارة و الله خير الرازقين» يرزقكم و إن لم تتركوا الخطبة و الجمعة.