۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحشر، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨ وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩ لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

كَمَثَلِ الشيْطنِ إِذْ قَالَ لِلانسنِ اكفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنى بَرِىءٌ مِّنك إِنى أَخَاف اللّهَ رَب الْعَلَمِينَ (16) فَكانَ عَقِبَتهُمَا أَنهُمَا فى النّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَا وَ ذَلِك جَزؤُا الظلِمِينَ (17) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَ لْتَنظرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَت لِغَدٍ وَ اتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَ لا تَكُونُوا كالّذِينَ نَسوا اللّهَ فَأَنساهُمْ أَنفُسهُمْ أُولَئك هُمُ الْفَسِقُونَ (19) لا يَستَوِى أَصحَب النّارِ وَ أَصحَب الْجَنّةِ أَصحَب الْجَنّةِ هُمُ الْفَائزُونَ (20)

اللغة

أصل غد غدو إلا أنه لم يأت في القرآن إلا محذوف الواو و جاء في الشعر بحذف الواو و إثباتها:

{و ما الناس إلا كالديار و أهلها --- بها يوم حلوها و غدوا بلاقع}

و قال آخر:

{لا تقلواها و ادلواها دلوا --- إن مع اليوم أخاها غدوا}

المعنى

ثم ضرب سبحانه لليهود و المنافقين مثلا فقال «كمثل الشيطان» أي مثل المنافقين في غرورهم لبني النضير و خذلانهم إياهم كمثل الشيطان «إذ قال للإنسان اكفر» و هو عابد بني إسرائيل عن ابن عباس قال إنه كان في بني إسرائيل عابد اسمه برصيصا عبد الله زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم و يعوذهم فيبرءون على يده و أنه أتي بامرأة في شرف قد جنت و كان لها إخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها قتلها و دفنها فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب و أنه دفنها في مكان كذا ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فذكر ذلك له فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول و الله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا يكبر علي ذكره فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم فسار الملك و الناس فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على خشبته تمثل له الشيطان فقال أنا الذي ألقيتك في هذا فهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه قال نعم قال اسجد لي سجدة واحدة فقال كيف أسجد لك و أنا على هذه الحالة فقال أكتفي منك بالإيماء فأومى له بالسجود فكفر بالله و قتل الرجل فهو قوله «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك» ضرب الله هذه القصة لبني النضير حين اغتروا بالمنافقين ثم تبرأوا منهم عند الشدة

و أسلموهم و قيل أراد كمثل الشيطان يوم بدر إذ دعا إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رأى الملائكة رجع القهقرى و قال إني أخاف الله و قيل أراد بالشيطان و الإنسان اسم الجنس لا المعهود فإن الشيطان أبدا يدعو الإنسان إلى الكفر ثم يتبرأ منه وقت الحاجة عن مجاهد و إنما يقول الشيطان «إني أخاف الله رب العالمين» يوم القيامة ثم ذكر سبحانه أنهما صارا إلى النار بقوله «فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها» يعني عاقبة الفريقين الداعي و المدعو من الشيطان و من أغواه من المنافقين و اليهود أنهما معذبان في النار «و ذلك جزاء الظالمين» أي و ذلك جزاؤهم ثم رجع إلى موعظة المؤمنين فقال سبحانه «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد» يعني ليوم القيامة و المعنى لينظر كل امرىء ما الذي قدمه لنفسه أ عملا صالحا ينجيه أم سيئا يوبقه و يرديه فإنه وارد عليه قال قتادة إن ربكم قرب الساعة حتى جعلها كغد و أمركم بالتدبر و التفكر فيما قدمتم «و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» إنما كرر الأمر بالتقوى لأن الأولى للتوبة عما مضى من الذنوب و الثانية أ المعاصي في المستقبل و قيل إن الثانية تأكيد للأولى «و لا تكونوا كالذين نسوا الله» أي تركوا أداء حق الله «فأنساهم أنفسهم» بأن حرمهم حظوظهم من الخير و الثواب و قيل نسوا الله بترك ذكره بالشكر و التعظيم فأنساهم أنفسهم بالعذاب الذي نسي به بعضهم بعضا كما قال فسلموا على أنفسكم أي ليسلم بعضكم على بعض عن الجبائي و يريد به بني قريظة و بني النضير و بني قينقاع عن ابن عباس «أولئك هم الفاسقون» الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته «لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة» أي لا يتساويان لأن هؤلاء يستحقون النار و أولئك يستحقون الجنة «أصحاب الجنة هم الفائزون» بثواب الله الظافرون بطلبتهم.