۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحشر، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١ لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢ لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣ لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ لَمْ تَرَ إِلى الّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لاخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَئنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ وَ لا نُطِيعُ فِيكمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصرَنّكمْ وَ اللّهُ يَشهَدُ إِنهُمْ لَكَذِبُونَ (11) لَئنْ أُخْرِجُوا لا يخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئن قُوتِلُوا لا يَنصرُونهُمْ وَ لَئن نّصرُوهُمْ لَيُوَلّنّ الأَدْبَرَ ثُمّ لا يُنصرُونَ (12) لأَنتُمْ أَشدّ رَهْبَةً فى صدُورِهِم مِّنَ اللّهِ ذَلِك بِأَنهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يُقَتِلُونَكمْ جَمِيعاً إِلا فى قُرًى محَصنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرِ بَأْسهُم بَيْنَهُمْ شدِيدٌ تحْسبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شتى ذَلِك بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَ لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو من وراء جدار على التوحيد و الباقون «من وراء جدر» على الجمع و في الشواذ قراءة أبي رجاء و أبي حية جدر بسكون الدال.

الحجة

قال أبو علي المعنى في الجمع أنهم لا يصحرون معكم للقتال و لا يبرزون لكم و لا يقاتلونكم حتى يكون بينكم و بينهم حاجز من حصن أو سور فإذا كان كذلك فالمعنى على الجمع إذ ليس المعنى أنهم يقاتلونهم من وراء جدار واحد و لكن من وراء جدر كما لا

يقاتلونكم إلا في قرى محصنة فكما أن القرى جماعة كذلك الجدر ينبغي أن تكون جمعا فكان المراد في الإفراد الجمع لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد قال ابن جني و يجوز أن يكون جدار تكسير جدار فتكون ألف جدار في الواحد كألف كتاب و في الجمع كألف ضرام و كرام و مثله ناقة هجان و نوق هجان و درع دلاص و أدرع دلاص قال و مثله قوله سبحانه و اجعلنا للمتقين إماما يكون إمام على ما شرحناه.

الإعراب

«لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله» أي من رهبتهم من الله فحذف.

«كمثل الذين من قبلهم» أي مثلهم كمثل الذين من قبلهم فحذف المبتدأ و كذلك قوله كمثل الشيطان.

المعنى

لما وصف سبحانه المهاجرين الذين هاجروا الديار و الأوطان ثم مدح الأنصار الذين تبوؤا الدار و الإيمان ثم ذكر التابعين بإحسان و ما يستحقونه من النعيم في الجنان عقب ذلك بذكر المنافقين و ما أسروه من الكفر و العصيان فقال «أ لم تر» يا محمد «إلى الذين نافقوا» فأبطنوا الكفر و أظهروا الإيمان «يقولون لإخوانهم» في الكفر «الذين كفروا من أهل الكتاب» يعني يهود بني النضير «لئن أخرجتم» من دياركم و بلادكم «لنخرجن معكم» مساعدين لكم «و لا نطيع فيكم» أي في قتالكم و مخاصمتكم «أحدا أبدا» يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه و وعدوهم النصر بقولهم «و إن قوتلتم لننصرنكم» أي لندفعن عنكم ثم كذبهم الله في ذلك بقوله «و الله يشهد إنهم لكاذبون» فيما يقولونه من الخروج معهم و الدفاع عنهم ثم أخبر سبحانه أنهم يخلفونهم ما وعدوه من النصر و الخروج بقوله «لئن أخرجوا لا يخرجون معهم و لئن قوتلوا لا ينصرونهم و لئن نصروهم» أي و لئن قدر وجود نصرهم لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده «ليولن الأدبار» أي ينهزمون و يسلمونهم و قيل معناه لئن نصرهم من يفي منهم لولوا الأدبار فعلى هذا لا تنافي بين قوله «لا ينصرونهم» و قوله «لئن نصروهم» فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية عما لا يكون منهم أن لو كان كيف كان يكون «ثم لا ينصرون» أي و لو كان لهم هذه القوة و فعلوا لم ينتفع أولئك بنصرتهم نزلت الآية قبل إخراج بني النضير و أخرجوا بعد ذلك و قوتلوا فلم يخرج معهم منافق و لم ينصروهم كما أخبر الله تعالى بذلك و قيل أراد بقوله «لإخوانهم» بني النضير و بني قريظة فأخرج بنو النضير و لم يخرجوا معهم و قوتل بنو قريظة فلم ينصروهم ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «لأنتم أشد رهبة» أي خوفا «في صدورهم» أي في قلوب هؤلاء المنافقين «من الله» المعنى أن خوفهم منكم أشد من خوفهم من الله لأنهم يشاهدونكم و يعرفونكم و لا يعرفون الله و هو قوله

«ذلك بأنهم قوم لا يفقهون» الحق و لا يعلمون عظمة الله و شدة عقابه «لا يقاتلونكم» معاشر المؤمنين «جميعا إلا في قرى محصنة» أي ممتنعة حصينة المعنى أنهم لا يبرزون لحربكم و إنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى «أو من وراء جدر» أي يرمونكم من وراء الجدران بالنبل و الحجر «بأسهم بينهم شديد» أي عداوة بعضهم لبعض شديدة يعني أنهم ليسوا بمتفقي القلوب و قيل معناه قوتهم فيما بينهم شديدة فإذا لاقوكم جبنوا و يفزعون منكم بما قذف الله في قلوبهم من الرعب «تحسبهم جميعا» أي مجتمعين في الظاهر «و قلوبهم شتى» أي مختلفة متفرقة خذلهم الله باختلاف كلمتهم و قيل إنه عنى بذلك قلوب المنافقين و أهل الكتاب عن مجاهد «ذلك بأنهم قوم لا يعقلون» ما فيه الرشد مما فيه الغي و إنما كان قلوب من يعمل بخلاف العقل شتى لاختلاف دواعيهم و أهوائهم و داعي الحق واحد و هو العقل الذي يدعو إلى طاعة الله و الإحسان في الفعل «كمثل الذين من قبلهم قريبا» أي مثلهم في اغترارهم بعددهم و بقوتهم و بقول المنافقين كمثل الذين من قبلهم يعني المشركين الذين قتلوا ببدر و ذلك قبل غزاة بني النضير لستة أشهر عن الزهري و غيره و قيل إن الذين من قبلهم قريبا هم بنو قينقاع عن ابن عباس و ذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بدر فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخرجوا و قال عبد الله بن أبي لا تخرجوا فإني آتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكلمه فيكم أو أدخل معكم الحصن فكان هؤلاء أيضا في إرسال عبد الله بن أبي إليهم ثم ترك نصرتهم كأولئك «ذاقوا وبال أمرهم» أي عقوبة كفرهم «و لهم عذاب أليم» في الآخرة.