۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المجادلة، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢ ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣ ۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسحُوا فى الْمَجَلِسِ فَافْسحُوا يَفْسح اللّهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ انشزُوا فَانشزُوا يَرْفَع اللّهُ الّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرّسولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَى نجْوَاشْ صدَقَةً ذَلِك خَيرٌ لّكمْ وَ أَطهَرُ فَإِن لّمْ تجِدُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (12) ءَ أَشفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَى نجْوَاشْ صدَقَتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَاب اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزّكَوةَ وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسولَهُ وَ اللّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) أَ لَمْ تَرَ إِلى الّذِينَ تَوَلّوْا قَوْماً غَضِب اللّهُ عَلَيهِم مّا هُم مِّنكُمْ وَ لا مِنهُمْ وَ يحْلِفُونَ عَلى الْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدّ اللّهُ لهَُمْ عَذَاباً شدِيداً إِنّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (15)

القراءة

قرأ عاصم وحده «في المجالس» على الجمع و الباقون في المجلس على التوحيد و قرأ أهل المدينة و ابن عامر و عاصم غير يحيى مختلف عنه قيل انشزوا فانشزوا بالضم و الباقون بالكسر.

الحجة

قال أبو علي في المجلس زعموا أنه مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و إذا كان كذلك فالوجه الإفراد و يجوز أن يجمع على هذا على أن يجعل لكل جالس مجلس أي موضع جلوس و يكون المجلس على إرادة العموم مثل قولهم كثر الدينار و الدرهم فيشتمل على هذا جميع المجالس و مثله قوله إن الإنسان لفي خسر و قوله «انشزوا» أي قوموا و النشز المرتفع من الأرض قال:

{ترى الثعلب الحولي فيها كأنه --- إذا ما علا نشز أ حصان مجلل}

ومنه نشوز المرأة على زوجها و ينشز و ينشز مثل يعكف و يعكف و يعرش و يعرش.

اللغة

التفسح الاتساع في المكان و التفسح و التوسع واحد و فسح له في المجلس يفسح فسحا و مكان فسيح و في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان فسيح ما بين المنكبين أي بعيد ما بينهما لسعة صلبه و الإشفاق الخوف و رقة القلب و النشوز الارتفاع عن الشيء بالذهاب عنه.

النزول

قال قتادة كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض و قال المقاتلان كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصفة و في المكان ضيق و ذلك يوم الجمعة و كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يكرم أهل بدر من المهاجرين و الأنصار فجاء أناس من أهل بدر و فيهم ثابت بن قيس بن شماس و قد سبقوا في المجلس فقاموا حيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته فرد عليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لمن حوله من المهاجرين و الأنصار من غير أهل بدر قم يا فلان قم يا فلان بقدر النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر فشق ذلك على من أقيم من مجلسه و عرف الكراهية في وجوههم و قال المنافقون للمسلمين

ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل بين الناس فو الله ما عدل على هؤلاء إن قوما أخذوا مجالسهم و أحبوا القرب من نبيهم فأقامهم و أجلس من أبطأ عنهم مقامهم فنزلت الآية ( و أما ) قوله «يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا» الآية فإنها نزلت في الأغنياء و ذلك أنهم كانوا يأتون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكثرون مناجاته فأمر الله سبحانه بالصدقة عند المناجاة فلما رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته فنزلت آية الرخصة عن مقاتل بن حيان و قال أمير المؤمنين صلوات الرحمن عليه إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي و لا يعمل بها أحد بعدي «يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول» الآية كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكلما أردت أن أناجي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قدمت درهما فنسختها الآية الأخرى «أ أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات» الآية فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) بي خفف الله عن هذه الأمة و لم ينزل في أحد قبلي و لم ينزل في أحد بعدي و قال ابن عمر و كان لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ثلاث لو كانت لي واحدة منهن لكانت أحب إلي من حمر النعم تزويجه فاطمة و إعطاؤه الراية يوم خيبر و آية النجوى و قال مجاهد و قتادة لما نهوا عن مناجاته صلوات الرحمن عليه حتى يتصدقوا لم يناجه إلا علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلوات قدم دينارا فتصدق به ثم نزلت الرخصة.

المعنى

لما قدم سبحانه النهي عن النجوى لما فيه من إيذاء المؤمنين عقبه بالأمر بالتفسح لما في تركه من إيذائهم أيضا فقال «يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس» أي اتسعوا فيه و هو مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتادة و مجاهد و قيل المراد به مجالس الذكر كلها «فافسحوا يفسح الله لكم» أي فتوسعوا يوسع الله لكم مجالسكم في الجنة «و إذا قيل انشزوا» أي ارتفعوا و قوموا و وسعوا على إخوانكم «فانشزوا» أي فافعلوا ذلك و قيل معناه و إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة و الجهاد و عمل الخير فانشزوا و لا تقصروا عن مجاهد و قيل معناه و إذا قيل لكم ارتفعوا في المجلس و توسعوا للداخل فافعلوا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يقرب و لا يرفع إلا بإذن الله و أمره و قيل معناه و إذا نودي للصلاة فانهضوا فإن رجالا كانوا يتثاقلون عن الصلاة عن عكرمة و الضحاك و قيل وردت في قوم كانوا يطيلون المكث عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون كل واحد منهم يحب أن يكون آخر خارج فأمرهم الله أن ينشزوا أي يقوموا إذا قيل لهم انشزوا «يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات» قال ابن عباس يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات و قيل معناه لكي يرفع الله الذين آمنوا منكم بطاعتهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) درجة و الذين أوتوا العلم بفضل علمهم و سابقتهم درجات في الجنة و قيل درجات في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر الله سبحانه أن يقرب العلماء من نفسه فوق المؤمنين الذين لا يعلمون العلم ليبين فضل العلماء على

غيرهم و في هذه الآية دلالة على فضل العلماء و جلالة قدرهم و قد ورد أيضا في الحديث أنه قال (صلى الله عليه وآله وسلم) فضل العالم على الشهيد درجة و فضل الشهيد على العابد درجة و فضل النبي على العالم درجة و فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه و فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم رواه جابر بن عبد الله و قال علي (عليه السلام) من جاءته منيته و هو يطلب العلم فبينه و بين الأنبياء درجة «و الله بما تعملون خبير» أي عليم ثم خاطب سبحانه المؤمنين مرة أخرى و قال «يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجويكم صدقة» أي إذا ساررتم الرسول فقدموا قبل أن تساروه صدقة و أراد بذلك تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أن يكون ذلك سببا لأن يتصدقوا فيؤجروا عنه و تخفيفا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال المفسرون فلما نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا ضن كثير من الناس فكفوا عن المسألة فلم يناج أحد إلا علي بن أبي طالب على ما مضى ذكره قال مجاهد و ما كان إلا ساعة و قال مقاتل بن حيان كان ذلك ليالي عشرا ثم نسخت بما بعدها و كانت الصدقة مفوضة إليهم غير مقدرة «ذلك» أي ذلك التصدق بين يدي مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «خير لكم» لأن فيه أداء واجب و تحصيل ثواب «و أطهر» أي و أدعي لكم إلى مجانبة المعاصي و تركها و أزكى لكم تتطهرون بذلك بمناجاته كما تقدم الطهارة على الصلاة «فإن لم تجدوا» ما تتصدقون به «فإن الله غفور» يستر عليكم ترك ذلك «رحيم» يرحمكم و ينعم عليكم ثم قال سبحانه ناسخا لهذا الحكم «أ أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات» يعني أ خفتم الفاقة يا أهل الميسرة و بخلتم بالصدقة بين يدي نجواكم و هذا توبيخ لهم على ترك الصدقة إشفاقا من العيلة «فإذ لم تفعلوا و تاب الله عليكم» لتقصيركم فيه «فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و أطيعوا الله» فيما أمركم به و نهاكم عنه «و رسوله» أي و أطيعوا رسوله أيضا «و الله خبير بما تعملون» أي عالم بأعمالكم من طاعة و معصية و حسن و قبيح فيجازيكم بها ثم قال سبحانه «أ لم تر» يا محمد «إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم» و المراد به قوم من المنافقين كانوا يوالون اليهود و يفشون إليهم أسرار المؤمنين و يجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين عن قتادة و ابن زيد «ما هم منكم و لا منهم» يعني أنهم ليسوا من المؤمنين في الدين و الولاية و لا من اليهود «و يحلفون على الكذب» أي و يحلفون أنهم لم ينافقوا «و هم يعلمون» أنهم منافقون «أعد الله لهم عذابا شديدا» أي في الآخرة «إنهم ساء ما كانوا يعملون» أي بئس العمل عملهم و هو النفاق و موالاة أعداء الله.