۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحديد، آية ١٩

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦ ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧ إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩ ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ لَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ ءَامَنُوا أَن تخْشعَ قُلُوبهُمْ لِذِكرِ اللّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنَ الحَْقِّ وَ لا يَكُونُوا كالّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَقَست قُلُوبهُمْ وَ كَثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَتِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنّ الْمُصدِّقِينَ وَ الْمُصدِّقَتِ وَ أَقْرَضوا اللّهَ قَرْضاً حَسناً يُضعَف لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَ الّذِينَ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَ رُسلِهِ أُولَئك هُمُ الصدِّيقُونَ وَ الشهَدَاءُ عِندَ رَبهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ وَ الّذِينَ كَفَرُوا وَ كذّبُوا بِئَايَتِنَا أُولَئك أَصحَب الجَْحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنّمَا الحَْيَوةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَ لهَْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فى الأَمْوَلِ وَ الأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجَب الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثمّ يهِيجُ فَترَاهُ مُصفَرّا ثمّ يَكُونُ حُطماً وَ فى الاَخِرَةِ عَذَابٌ شدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَ رِضوَنٌ وَ مَا الحَْيَوةُ الدّنْيَا إِلا مَتَعُ الْغُرُورِ (20)

القراءة

قرأ نافع و حفص «و ما نزل من الحق» خفيفة الزاي و الباقون نزل بالتشديد و قرأ رويس و لا تكونوا بالتاء و الباقون بالياء و قرأ ابن كثير و أبو بكر إن المصدقين و المصدقات بتخفيف الصاد و الباقون بالتشديد.

الحجة

قال أبو علي من خفف «ما نزل» ففي نزل ذكر مرفوع بأنه الفاعل يعود إلى الموصول و يقوي التخفيف قوله «و بالحق أنزلناه و بالحق نزل» و من شدد ففاعل الفعل

الضمير العائد إلى اسم الله تعالى و العائد إلى الموصول الضمير المحذوف من الصلة و من قرأ و لا تكونوا فإنه على الخطاب و النهي و من قرأ «و لا يكونوا» بالياء فإنه عطف على تخشع و هو منصوب و يجوز أن يكون مجزوما على النهي للغائب و من خفف المصدقين و المصدقات فإن معناه أن المؤمنين و المؤمنات و أما قوله «و أقرضوا الله قرضا حسنا» فهو في المعنى كقوله «إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات» لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة و حجة من خفف أنه أعم من المصدقين أ لا ترى أن المصدقين مقصور على الصدقة و المصدقين يعم التصديق و الصدقة فهو أذهب في باب المدح و من حجة من ثقل أنهم زعموا أن في قراءة أبي أن المتصدقين و المتصدقات و من حجتهم أن قوله «و أقرضوا الله قرضا حسنا» اعتراض بين الخبر و المخبر عنه و الاعتراض بمنزلة الصفة فهو للصدقة أشد ملائمة منه للتصديق و ليس التخفيف كذلك و من حجة من خفف أن يقول لا نحمل قوله «و أقرضوا الله» على الاعتراض و لكنا نعطفه على المعنى أ لا ترى أن قوله «إن المصدقين و المصدقات» معناه إن الذين صدقوا فكأنه في المعنى إن المصدقين و أقرضوا فحمل و أقرضوا الله على المعنى لما كان من معنى المصدقين الذين صدقوا فكأنه قال إن الذين صدقوا و أقرضوا.

اللغة

يقال أنى يأني أنى إذا حان و الخشوع لين القلب للحق و الانقياد له و مثله الخضوع و الحق ما دعا إليه العقل و هو الذي من عمل به نجا و من عمل بخلافه هلك و الحق مطلوب كل عاقل في نظره و إن أخطأ طريقه و القسوة غلظ القلب بالجفاء عن قبول الحق و الأمد الوقت الممتد و هو و المدة واحد و الهيج جفاف النبت.

النزول

قيل إن قوله «أ لم يأن للذين آمنوا» الآية نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة و ذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا حدثنا عما في التوراة فإن فيها العجائب فنزلت الر تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله «لمن الغافلين» فخبرهم أن هذا القرآن أحسن القصص و أنفع لهم من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزلت آية الله نزل أحسن الحديث كتابا فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسألوا سلمان فنزلت هذه الآية عن الكلبي و مقاتل و قيل نزلت بالمؤمنين قال ابن مسعود ما كان بين إسلامنا و بين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا و قيل إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بهذه الآية عن ابن عباس و قيل كانت الصحابة بمكة مجدبين فلما هاجروا أصابوا الريف و النعمة فتغيروا عما كانوا عليه فقست قلوبهم و الواجب أن يزدادوا الإيمان

واليقين و الإخلاص في طول صحبة الكتاب عن محمد بن كعب.

###

المعنى

ثم دعاهم سبحانه إلى الطاعة بقوله «أ لم يأن للذين آمنوا» أي أ ما حان للمؤمنين «أن تخشع قلوبهم» أي ترق و تلين قلوبهم «لذكر الله» أي لما يذكرهم الله به من مواعظه «و ما نزل من الحق» يعني القرآن و من شدد فالمراد و ما نزله الله من الحق «و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب» من اليهود و النصارى «من قبل فطال عليهم الأمد» أي طال الزمان بينهم و بين أنبيائهم و قيل طال عليهم الأمد للجزاء أي لم يعاجلوا بالجزاء فاغتروا بذلك «فقست قلوبهم» أي فغلظت قلوبهم و زال خشوعها و مرنوا على المعاصي و اعتادوها و قيل طالت أعمارهم و ساءت أعمالهم فقست قلوبهم و ينبغي أن يكون هذا متوجها إلى جماعة مخصوصة لم يوجد منهم الخشوع التام فحثوا على الرقة و الخشوع فأما من وصفهم الله تعالى بالخشوع و الرقة و الرحمة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء عن الزجاج و من كلام عيسى (عليه السلام) لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله و لا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب و انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد و الناس رجلان مبتلى و معافى فارحموا أهل البلاء و احمدوا الله على العافية «و كثير منهم فاسقون» أي خارجون عن طاعة الله تعالى إلى معصيته أي فلا تكونوا مثلهم فيحكم الله فيكم بمثل ما حكم فيهم ثم قال «اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها» أي يحييها بالنبات بعد اليبس و الجدوبة أي فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالضلال و الكفر بأن يلطف له ما يؤمن عنده و قيل معناه أن الله يلين القلوب بعد قسوتها بالألطاف و التوفيقات «قد بينا لكم الآيات» أي الحجج الواضحات و الدلائل الباهرات «لعلكم تعقلون» فترجعون إلى طاعتنا و تعملون بما أمرناكم به «إن المصدقين و المصدقات» قد مضى الوجه في اختلاف القراءتين و معناهما «و أقرضوا الله قرضا حسنا» أي و أنفقوا في وجوه الخير «يضاعف لهم» ذلك القرض الحسن أي يجازون أمثال ذلك «و لهم أجر كريم» مر معناه «و الذين آمنوا بالله و رسله» أي صدقوا بتوحيد الله و أقروا بنبوة رسله «أولئك هم الصديقون» قال مجاهد كل من آمن بالله و رسله فهو صديق و شهيد و قرأ هذه الآية و الصديق الكثير الصدق المبالغ فيه و هو اسم مدح و تعظيم «و الشهداء عند ربهم» أي و أولئك الشهداء عند ربهم و التقدير أولئك الصديقون عند ربهم و الشهداء عند ربهم ثم قال «لهم أجرهم و نورهم» أي لهم ثواب طاعاتهم و نور إيمانهم الذي يهتدون به إلى طريق الجنة و هذا قول عبد الله بن

مسعود و رواه البراء بن عازب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و روى العياشي بالإسناد عن منهال القصاب قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال إن المؤمن شهيد و قرأ هذه الآية و عن الحرث بن المغيرة قال كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال العارف منكم هذا الأمر المنتظر له المحتسب فيه الخير كمن جاهد و الله مع قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بسيفه ثم قال بل و الله كمن جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسيفه ثم قال الثالثة بل و الله كمن استشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فسطاطه و فيكم آية من كتاب الله و قلت و أي آية جعلت فداك قال قول الله ( عز و جل ) «و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم» ثم قال صرتم و الله صادقين شهداء عند ربكم و قيل إن الشهداء منفصل مما قبله مستأنف و المراد بالشهداء الأنبياء (عليهم السلام) الذين يشهدون للأمم و عليهم و هو قول ابن عباس و مسروق و مقاتل بن حيان و اختاره الفراء و الزجاج و قيل هم الذين استشهدوا في سبيل الله عن مقاتل بن سليمان و ابن جرير «و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم» يبقون فيها دائمين ثم زهد سبحانه المؤمنين في الدنيا و الركون إلى لذاتها فقال «اعلموا أنما الحياة الدنيا» يعني أن الحياة في هذه الدار الدنيا «لعب و لهو» أي بمنزلة اللهو و اللعب إذ لا بقاء لذلك و لا دوام و يزول عن وشيك كما يزول اللهو و اللعب قال مجاهد كل لعب لهو و قيل اللعب ما رغب في الدنيا و اللهو ما ألهى عن الآخرة «و زينة» تتزينون بها في الدنيا و قيل أراد بذلك أنها تتحلى في أعين أهلها ثم تتلاشى «و تفاخر بينكم» أي يفاخر الرجل بها قرينة و جاره عن ابن عباس «و تكاثر في الأموال و الأولاد» قال يجمع ما لا يحل له تكاثرا به و يتطاول على أولياء الله بماله و ولده و خدمه و المعنى أنه يفني عمره في هذه الأشياء ثم بين سبحانه لهذه الحياة شبها فقال «كمثل غيث» أي مطر «أعجب الكفار نباته» أي أعجب الزراع ما ينبت من ذاك الغيث قال الزجاج و يجوز أن يكون المراد الكفار بالله لأن الكافر أشد إعجابا بالدنيا من غيره «ثم يهيج» أي يبيس «فتريه مصفرا» و هو إذا قارب اليبس «ثم يكون حطاما» يتحطم و يتكسر بعد يبسه و شرح هذا المثل قد تقدم في سورة يونس «و في الآخرة عذاب شديد» لأعداء الله عن مقاتل «و مغفرة من الله و رضوان» لأوليائه و أهل طاعته «و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» لمن اغتر بها و لم يعمل لآخرته قال سعيد بن جبير متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة و من اشتغل بطلبها فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منه و قيل معناه و العمل للحياة الدنيا متاع الغرور و أنه كهذه الأشياء التي مثل بها في الزوال و الفناء.