۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الواقعة، آية ٧٦

التفسير يعرض الآيات ٧٥ إلى ٨٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧ فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠ أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ ٨١ وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ٨٢ فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣ وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥ فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٨٧

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَلا أُقْسِمُ بِمَوَقِع النّجُومِ (75) وَ إِنّهُ لَقَسمٌ لّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (77) فى كِتَبٍ مّكْنُونٍ (78) لا يَمَسهُ إِلا الْمُطهّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رّب الْعَلَمِينَ (80) أَ فَبهَذَا الحَْدِيثِ أَنتُم مّدْهِنُونَ (81) وَ تجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْ لا إِذَا بَلَغَتِ الحُْلْقُومَ (83) وَ أَنتُمْ حِينَئذٍ تَنظرُونَ (84) وَ نحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنكُمْ وَ لَكِن لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْ لا إِن كُنتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونهَا إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (87)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم بموقع النجوم بغير ألف و الباقون «بمواقع النجوم» على الجمع و روى بعضهم عن عاصم أنكم تكذبون بالتخفيف و القراءة المشهورة بالتشديد و في الشواذ قراءة الحسن و الثقفي فلا قسم بغير ألف و قراءة علي (عليه السلام) و ابن عباس و رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تجعلون شكركم.

الحجة

قال أبو عبيدة «فلا أقسم بمواقع النجوم» أي فأقسم و مواقعها مساقطها حيث تغيب و قال غيره أنه مواقع القرآن حين نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوما فأما الجمع في ذلك و إن كان مصدرا فلاختلاف ذلك فإن المصادر و سائر أسماء الأجناس إذا اختلفت جاز جمعها و من قرأ بموقع فأفرد فلأنه اسم جنس و من قرأ تكذبون فالمعنى تجعلون رزقكم الذي رزقكموه الله فيما قال «و نزلنا من السماء ماء مباركا» إلى قوله «رزقا للعباد» و قال و أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم أنكم تكذبون في أن تنسبوا هذا الرزق إلى غير الله تعالى فتقولون مطرنا بتوء كذا فهذا وجه التخفيف و من قرأ «تكذبون» فالمعنى أنكم تكذبون

بالقرآن لأن الله تعالى هو الذي رزقكم ذلك على ما جاء في قوله تعالى «رزقا للعباد» فتنسبونه أنتم إلى غيره فهذا تكذيبكم بما جاء به التنزيل و أما ما روي من قوله و تجعلون شكركم فالمعنى تجعلون مكان الشكر الذي يجب عليكم التكذيب و قد يكون المعنى و تجعلون شكر رزقكم التكذيب فحذف المضاف و قال ابن جني هو على و تجعلون بدل شكركم و مثله قول العجاج:

{ربيته حتى إذا تمعددا --- كان جزائي بالعصا أن أجلدا}

أي كان بدل جزائي الجلد بالعصا و أما قوله فلا أقسم فالتقدير لأنا أقسم و هو فعل الحال يدل على ذلك أن جميع ما في القرآن من الأقسام إنما هو حاضر الحال لا وعد الأقسام كقوله «و التين و الزيتون» «و الشمس و ضحاها» و لذلك حملت لا على الزيادة في قوله «فلا أقسم بمواقع النجوم» و نحوه نعم و لو أريد به الفعل المستقبل للزمت منه النون فقيل لأقسمن.

اللغة

القسم جملة من الكلام يؤكد بها الخبر بما يجعله في قسم الصواب دون الخطإ و العظيم هو الذي يقصر مقدار ما يكون من غيره عما يكون منه و هو ضربان عظيم الشخص و عظيم الشأن و الكريم هو الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير فلما كان القرآن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بأدلته المؤدية إلى الحق كان كريما على حقيقة معنى الكريم لا على التشبيه بطريق المجاز و الكريم في صفات الله تعالى من الصفات النفسية التي يجوز أن يقال فيها لم يزل كريما لأن حقيقته تقتضي ذلك من جهة أن الكريم هو الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير فلما كان القادر على الكرم الذي لا يمنعه مانع من شأنه أن يعطي الخير الكثير صح أن يقال أنه لم يزل كريم و المدهن الذي يجري في الباطن على خلاف الظاهر كالدهن في سهولة ذلك عليه و الإسراع فيه يقال أدهن يدهن و داهن يداهن مثل نافق و الدين هو الجزاء و منه قولهم كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى و الدين العمل الذي يستحق به الجزاء.

الإعراب

«فلو لا إذا بلغت الحلقوم» العامل في إذا محذوف يدل عليه الفعل الواقع بعد لو لا و هو ترجعونها في «فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها» و جواب الشرط أيضا هو مدلول قوله فلو لا ترجعونها و لو لا هذه للتحضيض بمعنى هلا و لا يقع بعدها إلا الفعل و يكون التقدير فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم فلو لا أن كنتم فكرر لو لا ثانيا لطول الكلام.

المعنى

ثم أكد سبحانه ما تقدم ذكره بقوله «فلا أقسم بمواقع النجوم» و لا زائدة و المعنى فأقسم عن سعيد بن جبير و يجوز أن يكون لا ردا لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر و شعر و كهانة ثم استأنف القسم فقال أقسم و قيل أن لا تزاد في القسم فيقال لا و الله لا أفعل و قال امرؤ القيس:

{لا و أبيك ابنة العامري --- لا يدعي القوم أني أفر}

و المعنى و أبيك و قيل أن المعنى لا أقسم على هذه الأشياء فإن أمرها أظهر و آكد من أن يحتاج فيه إلى اليمين عن أبي مسلم و اختلف في معنى «مواقع النجوم» فقيل هي مطالع النجوم و مساقطها عن مجاهد و قتادة و قيل انكدارها و هو انتشارها يوم القيامة عن الحسن و قيل هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا فيكون المعنى فلا أقسم بها و روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أن مواقع النجوم رجومها للشياطين و كان المشركون يقسمون بها فقال سبحانه فلا أقسم بها و قيل معناه أقسم بنزول القرآن فإنه نزل متفرقا قطعا نجوما عن ابن عباس «و إنه لقسم لو تعلمون عظيم» قال الزجاج و الفراء و هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن و الضمير في إنه يعود إلى القسم و دل عليه قوله «أقسم» و المعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون ففصل بين الصفة و الموصوف بالجملة ثم ذكر المقسم به فقال «إنه لقرآن كريم» معناه إن الذي تلوناه عليك لقرآن كريم أي عام المنافع كثير الخير ينال الأجر العظيم بتلاوته و العمل بما فيه و قيل كريم عند الله تعالى أكرمه الله تعالى و أعزه لأنه كلامه عن مقاتل و قيل كريم لأنه كلام رب العزة و لأنه محفوظ عن التغيير و التبديل و لأنه معجز و لأنه يشتمل على الأحكام و المواعظ و كل جليل خطير و عزيز فهو كريم «في كتاب مكنون» أي مستور من خلقه عند الله و هو اللوح المحفوظ أثبت الله فيه القرآن عن ابن عباس و قيل هو المصحف الذي في أيدينا عن مجاهد «لا يمسه إلا المطهرون» معناه في القول الأول لا يمسه إلا الملائكة الذين وصفوا بالطهارة من الذنوب و في القول الثاني إلا المطهرون من الشرك عن ابن عباس و قيل المطهرون من الأحداث و الجنابات و قالوا لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مس المصحف عن محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) و طاووس و عطاء و سالم و هو مذهب مالك و الشافعي فيكون خبرا بمعنى النهي و عندنا أن الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مس كتابة القرآن «تنزيل من رب العالمين» أي هذا القرآن منزل من عند الله تعالى الذي

خلق العباد و دبرهم على ما أراد على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم خاطب سبحانه أهل مكة فقال «أ فبهذا الحديث» الذي حدثناكم به و أخبرناكم فيه عن حوادث الأمور و هو القرآن «أنتم مدهنون» أي مكذبون عن ابن عباس و قيل مدهنون ممالئون للكفار على الكفر به عن مجاهد و قيل منافقون على التصديق به أي تقولون آمنا به و تدهنون فيما بينكم و بين المشركين إذا خلوتم فقلتم إنا معكم قال مؤرج هو الذي يلين جانبه ليخفي كفره و أصله من الدهن «و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون» أي و تجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به و قيل و تجعلون شكر رزقكم التكذيب عن ابن عباس قال أصاب الناس عطش في بعض أسفاره فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم) فسقوا فسمع رجلا يقول مطرنا بنوء كذا فنزلت الآية و قيل معناه و تجعلون حظكم من القرآن الذي رزقكم الله التكذيب به عن الحسن «فلو لا إذا بلغت الحلقوم» أي فهلا إذا بلغت النفس الحلقوم عند الموت «و أنتم» يا أهل الميت «حينئذ تنظرون» أي ترون تلك الحال و قد صار إلى أن تخرج نفسه و قيل معناه تنظرون لا يمكنكم الدفع و لا تملكون شيئا «و نحن أقرب إليه منكم» بالعلم و القدرة «و لكن لا تبصرون» ذلك و لا تعلمونه و قيل معناه و رسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم و لكن لا تبصرون رسلنا القابضين روحه «فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين» يعني فهلا ترجعونها أي فهلا ترجعون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم و تردونها إلى موضعها إن كنتم غير مجزيين بثواب و عقاب و غير محاسبين و قيل غير مدينين معناه غير مملوكين و قيل غير مبعوثين عن الحسن و المراد أن الأمر إن كان كما تقولونه من أنه لا بعث و لا حساب و لا جزاء و لا إله يحاسب و يجازي فهلا رددتم الأرواح و النفوس من حلوقكم إلى أبدانكم إن كنتم صادقين في قولكم فإذا لم تقدروا على ذلك فاعلموا أنه من تقدير مقدر حكيم و تدبير مدبر عليم.