۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة محمد، آية ١٩

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦ وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨ فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مِنهُم مّن يَستَمِعُ إِلَيْك حَتى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِك قَالُوا لِلّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَا ذَا قَالَ ءَانِفاً أُولَئك الّذِينَ طبَعَ اللّهُ عَلى قُلُوبهِمْ وَ اتّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَ الّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَ ءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنظرُونَ إِلا الساعَةَ أَن تَأْتِيهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشرَاطهَا فَأَنى لهَُمْ إِذَا جَاءَتهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنّهُ لا إِلَهَ إِلا اللّهُ وَ استَغْفِرْ لِذَنبِك وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَ مَثْوَاشْ (19) وَ يَقُولُ الّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ لا نُزِّلَت سورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَت سورَةٌ محْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْت الّذِينَ فى قُلُوبهِم مّرَضٌ يَنظرُونَ إِلَيْك نَظرَ الْمَغْشىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (20)

القراءة

روي في بعض الروايات عن ابن كثير آنفا بالقصر و القراءة المشهورة «آنفا» بالمد.

الحجة

قال أبو علي أنشد أبو زيد:

{وجدنا آل مرة حين خفنا --- جريرتنا هم الأنف الكراما} {ويسرح جارهم من حيث يمسي --- كان عليه مؤتنفا حراما}

أي كان عليه حرمة شهر مؤتنف حرام فحذف و الأنف الذين يأنفون من احتمال الضيم قال أبو علي فإذا كان كذلك فقد جمع فعل على فعل لأن واحد أنف أنف بدلالة قول الشاعر:

{وحمال المئين إذا ألمت --- بنا الحدثان و الأنف النصور}

وليس الأنف و الأنف في البيتين مما في الآية في شيء لأن ما في الشعر من الآنفة و ما في الآية من الابتداء و لم يسمع أنف في معنى ابتداء و يجوز أن يكون توهمه ابن كثير مثل حاذر و حذر و فاكه و فكه و الوجه المد و الآنف الجائي من الائتناف و هو الابتداء فقوله «آنفا» أي في أول وقت يقرب منا.

اللغة

الأهواء جمع الهوى و هو شهوة النفس يقال هوى يهوي هوى فهو هو و استهواه هذا الأمر أي دعاه إلى الهوى و الأشراط العلامات و أشرط فلان نفسه للأمر إذا أعلمها بعلامة قال أوس بن حجر:

{فأشرط فيها نفسه و هو معصم --- و ألقى بأسباب له و توكلا}

وواحد الأشراط شرط و الشرط بالتحريك العلامة و أشراط الساعة علاماتها و الشرط

أيضا رذال المال قال جرير:

{ترى شرط المعزى مهور نسائهم --- و في شرط المعزى لهن مهور}

وأصحاب الشرط سموا بذلك للبسهم لباسا يكون علامة لهم و الشرط في البيع علامة بين المتبايعين.

المعنى

ثم بين سبحانه حال المنافقين فقال: «و منهم من يستمع إليك» أي و من الكافرين الذين تقدم ذكرهم من يستمع إلى قراءتك و دعوتك و كلامك لأن المنافق كافر «حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم» يعني الذين آتاهم الله العلم و الفهم من المؤمنين قال ابن عباس أنا ممن أوتوا العلم بالقرآن و عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) قال أنا كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخبرنا بالوحي فأعيه أنا و من يعيه فإذا خرجنا قالوا «ما ذا قال آنفا» و قولهم «ما ذا قال آنفا» أي أي شيء قال الساعة و إنما قالوه استهزاء أو إظهار أنا لم نشتغل أيضا بوعيه و فهمه و قيل إنما قالوا ذلك لأنهم لم يفهموا معناه و لم يعلموا ما سمعوه و قيل بل قالوا ذلك تحقيرا لقوله أي لم يقل شيئا فيه فائدة و يحتمل أيضا أن يكونوا سألوا رياء و نفاقا أي لم يذهب عني من قوله إلا هذا فما ذا قال أعده علي لأحفظه و إنما قال يستمع إليك ثم قال خرجوا من عندك لأن في الأول رد الضمير إلى لفظة من و في الثاني إلى معناه فإنه موحد اللفظ مجموع المعنى ثم قال «أولئك الذين طبع الله على قلوبهم» أي وسم قلوبهم بسمة الكفار أو خلى بينهم و بين اختيارهم «و اتبعوا أهواءهم» أي شهوات نفوسهم و ما مالت إليه طباعهم دون ما قامت عليه الحجة ثم وصف سبحانه المؤمنين فقال «و الذين اهتدوا» بما سمعوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «زادهم» الله أو قراءة القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «هدى» و قيل زادهم استهزاء المنافقين إيمانا و علما و بصيرة و تصديقا لنبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) «و آتاهم تقواهم» أي وفقهم للتقوى و قيل معناه و آتاهم ثواب تقواهم عن سعيد بن جبير و أبي علي الجبائي و قيل بين لهم ما يتقون و هو ترك الرخص و الأخذ بالعزائم «فهل ينظرون إلا الساعة» أي فليس ينتظرون إلا القيامة «أن تأتيهم بغتة» أي فجاة فقوله «أن تأتيهم» بدل من الساعة و تقديره إلا الساعة إتيانها بغتة و المعنى إلا إتيان الساعة إياهم بغتة «فقد جاء أشراطها» أي علاماتها قال ابن عباس معالمها و النبي من أشراطها و لقد قال بعثت أنا و الساعة كهاتين و قيل هي إعلامها من انشقاق القمر و الدخان و خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و نزول آخر الكتب عن مقاتل

«فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم» أي فمن أين لهم الذكر و الاتعاظ و التوبة إذا جاءتهم الساعة و موضع ذكراهم رفع مثله في قوله «يوم يتذكر الإنسان و أنى له الذكرى» أي ليس تنفعه الذكرى و الذكرى ما أمر الله سبحانه أن يتذكروا به و معناه و كيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الساعة فإنه لا ينفعهم في ذلك الوقت الإيمان و الطاعات لزوال التكليف عنهم ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و المراد به جميع المكلفين «فاعلم أنه لا إله إلا الله» قال الزجاج يجوز أن يكون المعنى أقم على هذا العلم و اثبت عليه و أعلم في مستقبل عمرك ما تعلمه الآن و يدل عليه ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال من مات و هو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة أورده مسلم في الصحيح و قيل أنه يتعلق بما قبله على معنى إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله أي يبطل الملك عند ذلك فلا ملك و لا حكم لأحد إلا الله و قيل إن هذا إخبار بموته (صلى الله عليه وآله وسلم) و المراد فاعلم أن الحي الذي لا يموت هو الله وحده و قيل أنه كان ضيق الصدر من أذى قومه فقيل له فاعلم أنه لا كاشف لذلك إلا الله «و استغفر لذنبك» الخطاب له و المراد به الأمة و إنما خوطب بذلك لتستن أمته بسنته و قيل إن المراد بذلك الانقطاع إلى الله تعالى فإن الاستغفار عبادة يستحق به الثواب و قد صح الحديث بالإسناد عن حذيفة بن اليمان قال كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي فقلت يا رسول الله إني لأخشى أن يدخلني لساني في النار فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة «و للمؤمنين و المؤمنات» أكرمهم الله سبحانه بهذا إذ أمر نبيهم أن يستغفر لذنوبهم و هو الشفيع المجاب فيهم ثم أخبر سبحانه عن علمه و أحوال الخلق و مآلهم فقال «و الله يعلم متقلبكم و مثواكم» أي متصرفكم في أعمالكم في الدنيا و مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار عن ابن عباس و قيل يعلم متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات و مثواكم أي مقامكم في الأرض عن عكرمة و قيل متقلبكم من ظهر إلى بطن و مثواكم في القبور عن ابن كيسان و قيل يعلم متقلبكم متصرفكم في النهار و مثواكم مضجعكم بالليل و المعنى أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها ثم قال سبحانه حكاية عن المؤمنين «و يقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة» أي هلا نزلت لأنهم كانوا يأنسون بنزول القرآن و يستوحشون لإبطائه ليعلموا أوامر الله تعالى فيهم و تعبده لهم «فإذا أنزلت سورة محكمة» ليس فيها متشابه و لا تأويل و قيل سورة ناسخة لما قبلها من إباحة التخفيف في الجهاد قال قتادة كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة و هي أشد القرآن على المنافقين قيل محكمة بوضوح ألفاظها و على هذا فالقرآن كله محكم و قيل هي التي تتضمن نصا لم يختلف تأويله و لم يتعقبه نص و في قراءة ابن مسعود سورة محدثة أي مجددة «و ذكر فيها القتال» أي و أوجب عليهم في القتال و أمروا به «رأيت» يا محمد «الذين في قلوبهم مرض» أي شك و نفاق «ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت» قال الزجاج يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم و ينظرون إليك نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت لثقل ذلك عليهم و عظمه في نفوسهم

«فأولى لهم» هذا تهديد و وعيد قال الأصمعي معنى قولهم في التهديد أولى لك وليك و قارنك ما تكره و قال قتادة معناه العقاب لهم و الوعيد لهم و على هذا يكون أولى اسما للتهديد و الوعيد و يكون أولى لهم مبتدأ و خبرا و لا ينصرف أولى لأنه على وزن الفعل و صار اسما للوعيد و قول الأصمعي أن معناه وليك ما تكره لا يريد به أن أولى فعل وإنما فسره على المعنى و قيل معناه أولى لهم طاعة الله و رسوله و قول معروف بالإجابة أي لو أطاعوا فأجابوا كانت الطاعة و الإجابة أولى لهم و هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء و اختيار الكسائي فيكون على هذا طاعة و قول معروف متصلا بما قبله و كذلك لو كانت صفة لسورة و تقديره فإذا أنزلت سورة ذات طاعة و قول معروف على ما قاله الزجاج و على القول الأول يكون طاعة مبتدأ محذوف الخبر تقديره طاعة و قول معروف أمثل أو أحسن أو يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره أمرنا طاعة و يكون الوقف حسنا عند قوله «فأولى لهم».