۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يسٓ ١ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤ تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦ لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧ إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨ وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩ وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يس (1) وَ الْقُرْءَانِ الحَْكِيمِ (2) إِنّك لَمِنَ الْمُرْسلِينَ (3) عَلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ (4) تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ (5) لِتُنذِرَ قَوْماً مّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ (6) لَقَدْ حَقّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنّا جَعَلْنَا فى أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلاً فَهِىَ إِلى الأَذْقَانِ فَهُم مّقْمَحُونَ (8) وَ جَعَلْنَا مِن بَينِ أَيْدِيهِمْ سدّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سدّا فَأَغْشيْنَهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَ سوَاءٌ عَلَيهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا حمادا و يحيى عن أبي بكر يس بالإمالة و الباقون بالتفخيم و قرأ أبو جعفر و أبو عمرو و حمزة و ابن كثير برواية القواس و البزي و نافع برواية إسماعيل و ورش بخلاف بإظهار النون من «يس» عند الواو و كذلك ن و القلم و قرأ ابن عامر و الكسائي و خلف بإخفاء النون فيهما و قرأ قالون عن نافع بإظهار النون من ن و إخفائها من «يس» و أما عاصم فإنه يظهر النون منهما في رواية حفص و رواية البرجمي عن أبي بكر و محمد ابن غالب عن الأعمش عن أبي بكر و يظهر النون من «يس» و يخفيها من نون في رواية العليمي عن حماد و أما يعقوب فإنه يظهر النونين في رواية روح و زيد و يخفيها في رواية رويس و قرأ أهل الحجاز و البصرة و أبو بكر تنزيل بالرفع و الباقون بالنصب و في الشواذ قراءة الثقفي يس بفتح النون و قراءة أبي السماك يس بكسر النون و قراءة الكلبي يس بالرفع و قراءة ابن عباس و عكرمة و ابن يعمر و النخعي و عمر بن عبد العزيز فأعشيناهم بالعين و قراءة ابن محيصن و الزهري أنذرتهم بهمزة واحدة.

الحجة

قال أبو علي مما يحسن إمالة الفتح من «يس» نحو الكسرة أنهم قالوا يا زيد في النداء فأمالوا الفتحة نحو الكسرة و الألف نحو الياء و إن كان قولهم يا حرفا على حرفين و الحروف التي على حرفين لا يمال منها شيء نحو لا و ما فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف من أجل الياء فإن يميلوا الاسم الذي هو يا من ياسين أجدر أ لا ترى أن هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها و أما من بين النون من «يس» فإنما جاز ذلك و إن كانت النون الساكنة تخفى مع حروف الفم و لا تبين لأن هذه الحروف مبنية على الوقف و مما يدل على ذلك استجازتهم فيها الجمع بين ساكنين كما يجتمعان في الكلم التي يوقف عليها و لو لا ذلك لم يجز الجمع بينهما و أما من لم يبين فلأنه و إن كان في تقدير الوقف لم يقطع فيه همزة الوصل و ذلك قوله الم الله أ لا ترى أنه حذف همزة الوصل و لم يثبت كما لم يثبت مع غيرها من الكلام الذي يوصل و من رفع «تنزيل» فعلى تقدير هو تنزيل العزيز الرحيم أو تنزيل العزيز الرحيم هذا و النصب على نزل تنزيل العزيز الرحيم و أما من قال يس بالنصب أو الجر فكلاهما لالتقاء الساكنين و من رفع فعلى ما روي عن الكلبي أنه قال هي بلغة طي يا إنسان قال ابن جني و يحتمل عندي أن يكون اكتفي من جميع الاسم بالسين فيما فيه حرف نداء كقولك يا رجل و نظير حذف بعض الاسم قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كفى بالسيف شا أي شاهدا فحذف العين و اللام فكذلك حذف من إنسان الفاء و العين و جعل ما بقي منه اسما قائما برأسه و هو

السين فقيل يا سين و هو شبيه بقول الشاعر:

{قلنا لها قفي لنا قالت قاف}

أي وقفت و من قرأ فأعشيناهم بالعين فإنه منقول من عشي يعشي إذا ضعف بصره و أعشيته أنا و أما «أغشيناهم» بالغين المعجمة فعلى حذف المضاف أي فأغشينا أبصارهم أي جعلنا عليها غشاوة و الغشاوة على العين كالغشي على القلب فيلتقي معنى القراءتين و أما من قرأ أنذرتهم بهمزة واحدة فإنه حذف الهمزة التي للاستفهام تخفيفا و هو يريدها كما قال الكميت:

{طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب --- و لا لعبا مني و ذو الشيب يلعب}

و المعنى أو ذو الشيب يلعب تناكرا لذلك و كبيت الكتاب:

{لعمرك ما أدري و إن كنت داريا --- شعيث بن سهم أو شعيث بن منقر}

اللغة

المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه و قيل هو المقنع و هو الذي يجذب ذقنه حتى يصير في صدره ثم يرفع و قيل للكانونين شهر أقماح لأن الإبل إذا أوردت الماء ترفع رءوسها لشدة برده و يقال قمح البعير إذا رفع رأسه و لم يشرب الماء و بعير قامح و إبل قماح و أقمحتها أنا قال الشاعر يصف سفينة ركبها:

{و نحن على جوانبها قعود --- نغض الطرف كالإبل القماح}

الإعراب

على في قوله «على صراط» يتعلق بالمرسلين تقديره أرسلوا على صراط و يجوز أن يكون الجار و المجرور في موضع خبر إن فيكون خبرا بعد خبر و يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال فكأنه قال أرسلوا مستقيما طريقهم «ما أنذر آباؤهم» الأجود أن يكون ما نافية و تكون الجملة في موضع نصب لأنها صفة قوم و يجوز أن يكون ما حرفا موصولا مصدريا على تقدير لتنذر قوما أنذر آباؤهم.

النزول

قيل نزل قوله «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا» في أبي جهل كان حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه فأتاه و هو يصلي و معه حجر ليدمغه فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه و لزق الحجر بيده فلما عاد إلى أصحابه و أخبرهم بما رأى سقط الحجر من يده فقال رجل من بني مخزوم أنا اقتلته بهذا الحجر فأتاه و هو يصلي ليرميه بالحجر فأغشى الله

بصره فجعل يسمع صوته و لا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه ما صنعت فقال ما رأيته و لقد سمعت صوته و حال بيني و بينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني و روى أبو حمزة الثمالي عن عمار بن عاصم عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود أن قريشا اجتمعوا بباب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج إليهم فطرح التراب على رءوسهم و هم لا يبصرونه قال عبد الله هم الذين سحبوا في القليب قليب بدر و روى أبو حمزة عن مجاهد عن ابن عباس أن قريشا اجتمعت فقال لئن دخل محمد لنقومن إليه قيام رجل واحد فدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل الله من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا فلم يبصروه فصلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أتاهم فجعل ينثر على رءوسهم التراب و هم لا يرونه فلما خلى عنهم رأوا التراب و قالوا هذا ما سحركم ابن أبي كبشة.

المعنى

«يس» قد مضى الكلام في الحروف المعجمة عند مفتتح السور في أول البقرة و اختلاف الأقوال فيها و قيل أيضا «يس» معناه يا إنسان عن ابن عباس و أكثر المفسرين و قيل معناه يا رجل عن الحسن و أبي العالية و قيل معناه يا محمد عن سعيد بن جبير و محمد بن الحنفية و قيل معناه يا سيد الأولين و الآخرين و قيل هو اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن علي ابن أبي طالب و أبي جعفر (عليه السلام) و قد ذكرنا الرواية فيه قبل «و القرآن الحكيم» أقسم سبحانه بالقرآن المحكم من الباطل و قيل سماه حكيما لما فيه من الحكمة فكأنه المظهر للحكمة الناطق بها «إنك لمن المرسلين» أي ممن أرسله الله تعالى بالنبوة و الرسالة «على صراط مستقيم» يؤدي بسالكه إلى الحق أو إلى الجنة و قيل معناه على شريعة واضحة و حجة لائحة «تنزيل العزيز» أي هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه «الرحيم» بخلقه و لذلك أرسله ثم بين سبحانه الغرض في بعثته فقال «لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم» أي لتخوف به من معاصي الله قوما لم ينذر آباؤهم قبلهم لأنهم كانوا في زمان الفترة بين عيسى و محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتادة و قيل لم يأتهم نذير من أنفسهم و قومهم و إن جاءهم من غيرهم عن الحسن و قيل معناه لم يأتهم من أنذرهم بالكتاب حسب ما آتيت و هذا على قول من قال كان في العرب قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) من هو نبي كخالد بن سنان و قس بن ساعدة و غيرهما و قيل معناه لتنذر قوما كما أنذر آباؤهم عن عكرمة «فهم غافلون» عما تضمنه القرآن و عما أنذر الله به من نزول العذاب و الغفلة مثل السهو و هو ذهاب المعنى عن النفس ثم أقسم سبحانه مرة أخرى فقال «لقد حق القول على أكثرهم» أي وجب الوعيد و استحقاق العقاب عليهم «فهم لا يؤمنون» و يموتون

على كفرهم و قد سبق ذلك في علم الله تعالى و قيل تقديره لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون فهم لا يؤمنون و ذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون فحق قوله عليهم «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان» يعني أيديهم كنى عنها و إن لم يذكرها لأن الأعناق و الأغلال تدلان عليها و ذلك أن الغل إنما يجمع اليد إلى الذقن و العنق و لا يجمع الغل العنق إلى الذقن و روي عن ابن عباس و ابن مسعود أنهما قرءا إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا و قرأ بعضهم في أيديهم و المعنى الجميع واحد لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد و لا في اليد دون العنق و مثل هذا قول الشاعر:

{و ما أدري إذا يممت أرضا --- أريد الخير أيهما يليني} {أ الخير الذي أنا أبتغيه --- أم الشر الذي لا يأتليني}

ذكر الخير وحده ثم قال أيهما يليني لأنه قد علم أن الخير و الشر معرضان للإنسان فلم يدر أ يلقاه هذا أم ذلك و مثله في التنزيل و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر و لم يقل البرد لأن ما يقي من الحر يقي من البرد و اختلف في معنى الآية على وجوه ( أحدها ) أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل و تقديره مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير و رجل طامح برأسه لا يبصر موطىء قدميه عن الحسن و الجبائي قال و نظيره قول الأفوه الأودي:

{كيف الرشاد و قد صرنا إلى أمم --- لهم عن الرشد أغلال و أقياد}

و نحوه كثير في كلام العرب ( و ثانيها ) أن المعنى كان هذا القرآن أغلال في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبره لثقله عليهم و ذلك أنهم لما استكبروا عنه و أنفوا من اتباعه و كان المستكبر رافعا رأسه لاويا عنقه شامخا بأنفه لا ينظر إلى الأرض صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم و إنما أضاف ذلك إلى نفسه لأن عند تلاوته القرآن عليهم و دعوته إياهم صاروا بهذه الصفة فهو مثل قوله حتى أنسوكم ذكري عن أبي مسلم ( و ثالثها ) أن المعنى بذلك ناس من قريش هموا بقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يدا عن ابن عباس و السدي ( و رابعها ) أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله إذ الأغلال في أعناقهم و إنما ذكره بلفظ الماضي للتحقيق و قوله «فهم مقمحون» أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم و رفعت الأغلال أذقانهم و رءوسهم صعدا فهم مرفوعو الرأس برفع الأغلال إياها عن الأزهري و يدل على هذا المعنى قول قتادة مقمحون مغلولون «و جعلنا من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا

يبصرون» هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان و قبول الحق و ذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا فكأنه قال و تركناهم مخذولين فصار ذلك من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا و إذا قلنا إنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقته و يكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما و لا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم و إذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعا و من خلفهم منعا حتى لم يبصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قوله «فأغشيناهم فهم لا يبصرون» أي أغشينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد روي أن أبا جهل هم بقتله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان إذا خرج بالليل لا يراه و يحول الله بينه و بينه و قيل فأغشيناهم فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى و قيل فأغشيناهم العذاب فهم لا يبصرون النار و قيل معناه إنهم لما انصرفوا عن الإيمان و القرآن لزمهم ذلك حتى لم يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول و المسدود عليه طرقه «و سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون» هذا مفسر في سورة البقرة.