بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الم (1) غُلِبَتِ الرّومُ (2) فى أَدْنى الأَرْضِ وَ هُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سيَغْلِبُونَ (3) فى بِضع سِنِينَ للّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَ مِن بَعْدُ وَ يَوْمَئذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصرِ اللّهِ يَنصرُ مَن يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ (5) وَعْدَ اللّهِ لا يخْلِف اللّهُ وَعْدَهُ وَ لَكِنّ أَكْثرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظهِراً مِّنَ الحَْيَوةِ الدّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ (7)
اللغة
قال الزجاج الغلب و الغلبة مصدر غلبت مثل الجلب و الجلبة و الغلبة الاستيلاء على القرن بالقهر و البضع القطعة من العدد ما بين الثلاثة إلى العشرة و هو من بضعته أي قطعته تبضيعا و منه البضاعة القطعة من المال تدور في التجارة قال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الأعداد و الفرح و السرور نظيران و تقيضهما الغم و ليس شيء من ذلك بجنس و الصحيح أنها من جنس الاعتقاد.
الإعراب
«من بعد غلبهم» تقديره من بعد أن غلبوا فالمصدر مضاف إلى المفعول.
وعد الله مصدر مؤكد لأن قوله «سيغلبون» وعد من الله للمؤمنين فالمعنى وعد الله ذلك وعدا.
المعنى
«الم» مر تفسيره «غلبت الروم» قال المفسرون غلبت فارس الروم و ظهروا عليهم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و فرح بذلك كفار قريش من حيث إن أهل فارس لم يكونوا أهل كتاب و ساء ذلك المسلمين و كان بيت المقدس لأهل الروم كالكعبة للمسلمين فدفعتهم فارس عنه و قوله «في أدنى الأرض» أي في أدنى الأرض من أرض العرب عن الزجاج و قيل في أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس يريد الجزيرة و هي أقرب أرض الروم إلى فارس عن مجاهد و قيل يريد أذرعات و كسكر عن عكرمة «و هم» يعني الروم «من بعد غلبهم سيغلبون» أي من بعد غلبة فارس إياهم سيغلبون فارس «في بضع سنين» و هذه من الآيات الدالة على أن القرآن من عند الله عز و جل لأن فيه أنباء ما سيكون و ما يعلم ذلك إلا الله عز و جل «لله الأمر من قبل و من بعد» أي من قبل أن غلبت الروم و من بعد أن غلبت فإن شاء جعل الغلبة لأحد الفريقين على الآخر و إن شاء جعل الغلبة للفريق الآخر عليهم و إن شاء أهلكهما جميعا «و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» أي و يوم يغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بدفع الروم فارسا عن بيت المقدس لا بغلبة الروم على بيت المقدس فإنهم كفار و يفرحون أيضا لوجوه أخر و هو اغتمام المشركين بذلك و لتصديق خبر الله عز و جل و خبر رسوله و لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين «ينصر من يشاء» من عباده «و هو العزيز» في الانتقام من أعدائه «الرحيم» بمن أناب إليه من خلقه «وعد الله» أي وعد الله ذلك «لا يخلف الله وعده» بظهور الروم على فارس «و لكن أكثر الناس» يعني كفار مكة «لا يعلمون» صحة ما أخبرناه لجهلهم بالله تعالى
«يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون» أي يعلمون منافع الدنيا و مضارها و متى يزرعون و متى يحصدون و كيف يجمعون و كيف يبنون و هم جهال بالآخرة فعمروا دنياهم و خربوا آخرتهم عن ابن عباس و قال الحسن بلغ و الله من علم أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظهره فيخبرك بوزنه و ما يحسن أن يصلي و سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قوله «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا» فقال منه الزجر و النجوم.
" القصة "
عن الزهري قال كان المشركون يجادلون المسلمين و هم بمكة يقولون أن الروم أهل كتاب و قد غلبهم الفرس و أنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل إليكم على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم و أنزل الله تعالى «الم غلبت الروم» إلى قوله «في بضع سنين» قال فأخبرني عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا بكر ناحب بعض المشركين قبل أن يحرم القمار على شيء إن لم تغلب فارس في سبع سنين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم فعلت فكل ما دون العشرة بضع فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب و روى أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن ابن عباس في قوله «الم غلبت الروم» قال قد مضى كان ذلك في أهل فارس و الروم و كانت فارس قد غلبت عليهم ثم غلبت الروم بعد ذلك و لقي نبي الله مشركي العرب و التقت الروم و فارس فنصر الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من معه من المسلمين على مشركي العرب و نصر أهل الكتاب على مشركي العجم ففرح المسلمون بنصر الله إياهم و نصر أهل الكتاب على العجم قال عطية و سألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال التقينا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و مشركو العرب و التقت الروم و فارس فنصرنا الله على مشركي العرب و نصر أهل الكتاب على المجوس ففرحنا بنصر الله إيانا على مشركي العرب و نصر أهل الكتاب على المجوس فذلك قوله «يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» و قال سفيان الثوري سمعت أنهم ظهروا يوم بدر و قال مقاتل فلما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة و أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الروم غلبت فارسا ففرح المؤمنون بذلك و روي أنهم استردوا بيت المقدس و أن ملك الروم مشى إليك شكرا و بسطت له الرياحين فمشى عليها و قال الشعبي لم تمض تلك المدة
التي عقدها أبو بكر مع أبي بن خلف حتى غلبت الروم فارسا و ربطوا خيولهم بالمدائن و بنوا الرومية فأخذ أبو بكر الخطر من ورثته و جاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتصدق به و روي أن أبا بكر لما أراد الهجرة تعلق به أبي و أخذ ابنه عبد الله بن أبي بكر كفيلا فلما أراد أن يخرج أبي إلى حرب أحد تعلق به عبد الله بن أبي بكر و أخذ منه ابنه كفيلا و جرح أبي في أحد و عاد إلى مكة فمات من تلك الجراحة جرحه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و جاءت الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لفارس نطحة أو نطحتان ثم قال لا فارس بعدها أبدا و الروم ذات القرون كلما ذهب قرن خلف قرن هبهب إلى آخر الأبد و المعنى أن فارس تنطح نطحة أو نطحتين فيبطل ملكها و يزول أمرها.