۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الروم، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجاً لِّتَسكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكم مّوَدّةً وَ رَحْمَةً إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ (21) وَ مِنْ ءَايَتِهِ خَلْقُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلَف أَلْسِنَتِكمْ وَ أَلْوَنِكمْ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّلْعَلِمِينَ (22) وَ مِنْ ءَايَتِهِ مَنَامُكم بِالّيْلِ وَ النهَارِ وَ ابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضلِهِ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسمَعُونَ (23) وَ مِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكمُ الْبرْقَ خَوْفاً وَ طمَعاً وَ يُنزِّلُ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَيُحْىِ بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَن تَقُومَ السمَاءُ وَ الأَرْض بِأَمْرِهِ ثمّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تخْرُجُونَ (25)

القراءة

قرأ حفص «للعالمين» بكسر اللام الأخيرة و الباقون بفتحها.

الحجة

قال أبو علي خص العالمين في رواية حفص و إن كانت الآية لكافة الناس عالمهم و جاهلهم لأن العالم لما تدبر فاستدل بما شاهده على ما لم يستدل عليه غيره صار كأنه ليس بآية لغير العالم لذهابه عنها و تركه الاعتبار بها و من قال للعالمين فلأن ذلك في الحقيقة دلالة و موضع اعتبار و إن ترك تاركون لغفلتهم أو لجهلهم التدبر بها و الاستدلال بها.

الإعراب

في قوله «و من آياته يريكم البرق» أقوال ( أحدها ) إن التقدير و من آياته أن يريكم فلما حذف أن ارتفع الفعل كقول طرفة:

{أ لا أي هذا الزاجري أحضر الوغى --- و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي}

و في المثل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ( و ثانيها ) أن التقدير و من آياته آية يريكم البرق بها ثم حذف لدلالة من عليها و مثله من الشعر:

{و ما الدهر إلا تارتان فمنهما --- أموت و أخرى أبتغي العيش أكدح}

أي فمنها تارة أموتها أي أموت فيها ( و ثالثها ) أن يكون التقدير و يريكم البرق خوفا و طمعا و من آياته فيكون عطفا لجملة على جملة و قوله «خوفا و طمعا» منصوبان على تقدير

اللام و التقدير لتخافوا خوفا و لتطمعوا طمعا ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض الجار يتعلق بمحذوف في موضع الحال من الكاف و الميم أي إذا دعاكم خارجين من الأرض و إن شئت كان وصفا للنكرة أي دعوة ثابتة من هذه الجهة و لا يجوز أن يتعلق بيخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما قدمه من تنبيه العبيد على دلائل التوحيد فقال «و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم» أي جعل لكم من شكل أنفسكم و من جنسكم «أزواجا» و إنما من سبحانه علينا بذلك لأن الشكل إلى الشكل أميل عن أبي مسلم و قيل معناه أن حواء خلقت من ضلع آدم (عليه السلام) عن قتادة و قيل إن المراد بقوله «من أنفسكم» أن النساء خلقن من نطف الرجال «لتسكنوا إليها» أي لتطمئنوا إليها و تألفوا بها و يستأنس بعضكم ببعض «و جعل بينكم مودة و رحمة» يريد بين المرأة و زوجها جعل سبحانه بينهما المودة و الرحمة فهما يتوادان و يتراحمان و ما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما قال السدي المودة المحبة و الرحمة الشفقة «إن في ذلك» أي في خلق الأزواج مشاكلة للرجال «لآيات» أي لدلالات واضحات «لقوم يتفكرون» في ذلك و يعتبرون به ثم نبه سبحانه على آية أخرى فقال «و من آياته» الدالة على توحيده «خلق السماوات و الأرض» و ما فيهما من عجائب خلقه و بدائع صنعه مثل ما في السماوات من النجوم و الشمس و القمر و جريها في مجاريها على غاية الاتساق و النظام و ما في الأرض من أنواع الجماد و النبات و الحيوان المخلوقة على وجه الأحكام «و اختلاف ألسنتكم» فالألسنة جمع لسان و اختلافها هو أن ينشئها الله تعالى مختلفة في الشكل و الهيأة و التركيب فتختلف نغماتها و أصواتها حتى أنه لا يشتبه صوتان من نفسين هما إخوان و قيل إن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربية و العجمية و غيرهما و لا شيء من الحيوانات تتفاوت لغاتها كتفاوت لغات الإنسان فإن كانت اللغات توقيفيا من قبل الله تعالى فهو الذي فعلها و ابتدأها و إن كانت مواضعة من قبل العباد فهو الذي يسرها «و ألوانكم» أي و اختلاف ألوانكم من البياض و الحمرة و الصفرة و السمرة و غيرها فلا يشبه أحد أحدا مع التشاكل في الخلقة و ما ذلك إلا للتراكيب البديعة و اللطائف العجيبة الدالة على كمال قدرته و حكمته حتى لا يشتبه اثنان من الناس و لا يلتبسان مع كثرتهم «إن في ذلك لآيات» أي أدلة واضحات «للعالمين» أي للمكلفين «و من آياته» الدالة على توحيده و إخلاص العبادة له «منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله» بالنهار و هذا تقديره أي يصرفكم في طلب المعيشة و المنام و النوم بمعنى واحد و قيل إن الليل و النهار معا وقت للنوم و وقت لابتغاء الفضل لأن من الناس من

يتصرف في كسبه ليلا و ينام نهارا فيكون معناه و من دلائله النوم الذي جعله الله راحة لأبدانكم بالليل و قد تنامون بالنهار فإذا انتبهتم انتشرتم لابتغاء فضل الله «إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون» ذلك فيقبلونه و يتفكرون فيه لأن من لا يتفكر فيه لا ينتفع به فكأنه لم يسمعه «و من آياته يريكم البرق خوفا و طمعا» معناه و من دلالاته أن يريكم النار تنقدح من السحاب يخافه المسافر و يطمع فيه المقيم عن قتادة و قيل خوفا من الصواعق و طمعا في الغيث عن الضحاك و قيل خوفا من أن يخلف و لا يمطر و طمعا في المطر عن أبي مسلم «و ينزل من السماء ماء» أي غيثا و مطرا «فيحيي به» أي بذلك الماء «الأرض بعد موتها» أي بعد انقطاع الماء عنها و جدوبها «إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» أي للعقلاء المكلفين «و من آياته أن تقوم السماء و الأرض بأمره» بلا دعامة تدعمها و لا علاقة تتعلق بها بأمره لهما بالقيام كقوله تعالى «إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون» و قيل بأمره أي بفعله و إمساكه إلا أن أفعال الله عز اسمه تضاف إليه بلفظ الأمر لأنه أبلغ في الاقتدار فإن قول القائل أراد فكان أو أمر فكان أبلغ في الدلالة على الاقتدار من أن يقول فعل فكان و معنى القيام الثبات و الدوام و يقال السوق قائمة «ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض» أي من القبر عن ابن عباس يأمر الله عز اسمه إسرافيل (عليه السلام) فينفخ في الصور بعد ما يصور الصور في القبور فيخرج الخلائق كلهم من قبورهم «إذا أنتم تخرجون» من الأرض أحياء و قيل أنه سبحانه جعل النفخة دعاء لأن إسرافيل يقول أجيبوا داعي الله فيدعو بأمر الله سبحانه و قيل إن معناه أخرجكم من قبوركم بعد أن كنتم أمواتا فيها فعبر عن ذلك بالدعاء إذ هو بمنزلة الدعاء و بمنزلة كن فيكون في سرعة تأتي ذلك و امتناع التعذر و إنما ذكر سبحانه هذه المقدورات على اختلافها ليدل عباده على أنه القادر الذي لا يعجزه شيء العالم الذي لا يعزب عنه شيء و تدل هذه الآيات على فساد قول من قال إن المعارف ضرورية لأن ما يعرف ضرورة لا يمكن الاستدلال عليه.