فَأَمّا مَن تَاب وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ صلِحاً فَعَسى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَ رَبّك يخْلُقُ مَا يَشاءُ وَ يخْتَارُ مَا كانَ لهَُمُ الخِْيرَةُ سبْحَنَ اللّهِ وَ تَعَلى عَمّا يُشرِكونَ (68) وَ رَبّك يَعْلَمُ مَا تُكِنّ صدُورُهُمْ وَ مَا يُعْلِنُونَ (69) وَ هُوَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فى الأُولى وَ الاَخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
المعنى
ثم ذكر سبحانه التائبين و رغب في التوبة بعد التخويف فقال «فأما من تاب» أي رجع عن المعاصي و الكفر «و آمن و عمل صالحا» أي و أضاف إلى إيمانه الأعمال الصالحة «فعسى أن يكون من المفلحين» و إنما أتى بلفظة عسى مع أنه مقطوع بفلاحه لأنه على رجاء أن يدوم على ذلك فيفلح و قد يجوز أن يزل فيما بعد فيهلك على أنه قد قيل إن عسى من الله سبحانه لفظة وجوب في جميع القرآن و لما كان المفلح مختار الله تعالى ذكر عقيبه أن الاختيار إلى الله تعالى و الخلق و الحكم له لكونه قادرا عالما على الكمال فقال «و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة» الخيرة اسم من الاختيار أقيم مقام المصدر و الخيرة اسم للمختار أيضا يقال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خيرة الله من خلقه و يجوز التخفيف فيهما و اختلف في الآية و تقديرها على قولين ( أحدهما ) أن معناه و ربك يخلق ما يشاء من الخلق و يختار تدبير عباده على ما هو الأصلح لهم و يختار للرسالة ما هو الأصلح لعباده ثم قال «ما كان لهم الخيرة» أي ليس لهم الاختيار على الله بل لله الخيرة عليهم و على هذا تكون ما نفيا و يكون الوقف على قوله «و يختار» و فيه رد على المشركين الذين قالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فاختاروا الوليد بن المغيرة من مكة و عروة بن مسعود الثقفي من الطائف ( و الآخر ) أن يكون ما في الآية بمعنى الذي أي و يختار الذي كان لهم الخيرة فيه فيكون الوقف على هذا عند قوله «ما كان لهم الخيرة» و هذا أيضا في معنى الأول لأن حقيقة المعنى فيهما أنه سبحانه يختار و إليه الاختيار ليس لمن دونه الاختيار لأن الاختيار يجب أن يكون على العلم بأحوال المختار و لا يعلم غيره سبحانه جميع أحوال المختار و لأن الاختيار هو أخذ الخير و كيف يأخذ الخير من الأشياء من لا يعلم الخير فيها «سبحان الله و تعالى عما يشركون» أي تقدس و تنزه عن أن يكون له شريك في خلقه و اختياره ثم أقام سبحانه البرهان على صحة اختياره بقوله «و ربك يعلم ما تكن صدورهم و ما يعلنون» أي و ربك يعلم ما يخفونه و ما يظهرونه فإليه الاختيار و في هذا دلالة على أن من لا يعلم السر و الجهر فلا اختيار إليه ثم أكد سبحانه ذلك بقوله «و هو الله لا إله إلا هو» لا يستحق العبادة سواه «له الحمد في الأولى و الآخرة» أي له الثناء المدح و التعظيم على ما أنعم به خلقه في الدنيا و العقبي «و له الحكم» بينهم بما يميز به الحق من الباطل قال ابن عباس يحكم لأهل طاعته بالمغفرة و الفضل لأهل معصيته بالشقاء و الويل «و إليه» أي و إلى جزائه و حكمه «ترجعون».