۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١١ ۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢ فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤ وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ قَالَت لأُخْتِهِ قُصيهِ فَبَصرَت بِهِ عَن جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ (11) وَ حَرّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَت هَلْ أَدُلّكمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكمْ وَ هُمْ لَهُ نَصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَهُ إِلى أُمِّهِ كىْ تَقَرّ عَيْنُهَا وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وَ لَكِنّ أَكثرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَ لَمّا بَلَغَ أَشدّهُ وَ استَوَى ءَاتَيْنَهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ (14) وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَ هَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاستَغَثَهُ الّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلى الّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشيْطنِ إِنّهُ عَدُوّ مّضِلّ مّبِينٌ (15)

اللغة

القص اتباع الأثر و منه القصص في الحديث لأنه يتبع فيه الثاني الأول و القصاص اتباع الجاني في الأخذ بمثل جنايته في النفس فبصر به رآه فبصر لا يتعدى إلا بحرف الجر و رأى يتعدى بنفسه و معنى بصرت به عن جنب أبصرته عن جنابة أي عن بعد قال الأعشى

{أتيت حريثا زائرا عن جنابة --- و كان حريث عن عطائي جامدا}

و قيل جنب صفة وقعت موقع الموصوف أي عن مكان جنب و المراضع جمع مرضعة و النصح إخلاص العمل من جانب الفساد و هو نقيض الغش و الوكز الدفع و قيل هو بجمع الكف و مثله اللكز و اللهز.

الإعراب

«عن جنب» الجار و المجرور في موضع نصب على الحال و تقديره فبصرت به بعيدة و إن جعلت جنبا صفة على تقدير من مكان جنب فهو في موضع نصب بأنه ظرف مكان «هذا من شيعته و هذا من عدوه» جملتان في محل النصب لأنهما صفة رجلين صفة بعد صفة.

المعنى

ثم ذكر سبحانه لطف صنعه في تسخيره لفرعون حتى تولى تربية موسى فقال «و قالت» يعني أم موسى «لأخته» يعني أخت موسى و اسمها كلثمة عن الضحاك «قصيه» أي اتبعي أثره و تعرفي خبره «فبصرت به عن جنب» في الكلام حذف و اقتصار تقديره فذهبت أخت موسى فوجدت آل فرعون قد أخرجوا التابوت و أخرجوا موسى فبصرت به و هذا من الإيجاز الدال على الإعجاز باللفظ القليل المعنى على المعنى الكثير أي فرأت أخاها موسى عن جنب أي عن بعد عن مجاهد و قيل عن جانب تنظر إليه كأنها لا تريده عن قتادة و تقديره عن مكان جنب «و هم لا يشعرون» أي و آل فرعون لا يشعرون أنها أخته عن قتادة و قيل معناه و هم لا يشعرون أنها جاءت متعرفة عن خبره و يمكن أن يكون سبحانه كرر هذا القول تنبيها على أن فرعون لو كان إلها لكان يشعر بهذه الأمور «و حرمنا عليه المراضع» المعنى أنه لا يؤتى بمرضع فيقبلها و تأويله منعناهن منه و بغضناهن إليه عن ابن عباس و قيل هو جمع مرضع بمعنى الرضاع أي منعناه من الرضاع فهذا تحريم منع لا أن هناك نهيا عن الفعل و مثله قول امرىء القيس

{جالت لتصرعني فقلت لها اقصري --- إني امرؤ صرعي عليك حرام}

أي صرعي ممتنع عليك فإني فارس أمنعك من ذلك و يقال فلان حرم على نفسه كذا أي امتنع منه كما يمتنع بالنهي «من قبل» أي من قبل مجيء أخته و قيل من قبل رده على أمه «فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم» و هذا يدل على أن الله تعالى ألقى محبته في قلب فرعون فلشدة محبته و غاية شفقته عليه طلب له المراضع و كان موسى لا يقبل ثدي واحدة منهن بعد أن أتته مرضع بعد مرضع فلما رأت أخته وجدهم به و حبهم له و رقتهم

عليه قالت لهم هل أدلكم على أهل بيت يقبلون هذا الولد و يبذلون النصح في أمره و يحسنون تربيته و يضمنون لكم القيام بأمره «و هم له ناصحون» يشفقون عليه و ينصحونه و قيل أنه لما قالت أخته ذلك قال هامان إن هذه المرأة تعرف أن هذا الولد من أي أهل بيت هو فقالت هي إنما عنيت أنهم ناصحون للملك فأمسكوا عنها «فرددناه إلى أمه كي تقر عينها و لا تحزن» يعني عين أمه و انطلقت أخت موسى إلى أمها فجاءت بها إليهم فلما وجد موسى ريح أمه قبل ثديها و سكن بكاؤه و قيل إن فرعون قال لأمه كيف ارتضع منك و لم يرتضع من غيرك فقالت لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتي بصبي إلا ارتضع مني فسر فرعون بذلك «و لتعلم أن وعد الله حق» أراد به ما وعدها الله به في الآية المتقدمة لقوله إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين «و لكن أكثرهم لا يعلمون» تحقيق ذلك الوعد كما علمت «و لما بلغ أشده» أي ثلاثا و ثلاثين سنة «و استوى» أي بلغ أربعين سنة عن مجاهد و قتادة و ابن عباس «آتيناه حكما و علما» أي فقها و علما و عقلا بدينه و دين آبائه فعلم موسى و حكم قبل أن يبعث نبيا و قيل نبوة و علما عن السدي «و كذلك نجزي المحسنين» و هذه الآية مفسرة في سورة يوسف «و دخل المدينة» يريد مصر و قيل مدينة منف من أرض مصر و قيل على فرسخين من أرض مصر «على حين غفلة من أهلها» أراد به نصف النهار و الناس قائلون عن سعيد بن جبير و قيل ما بين المغرب و العشاء الآخرة عن ابن عباس و قيل كان يوم عيد لهم و قد اشتغلوا بلعبهم عن الحسن و قيل اختلفوا في سبب دخوله المدينة في هذا الوقت على أقوال ( أحدها ) أنه كان موسى حين كبر يركب في مواكب فرعون فلما جاء ذات يوم قيل له إن فرعون قد ركب فركب في أثره فلما كان وقت القائلة دخل المدينة ليقيل عن السدي ( و الثاني ) أن بني إسرائيل كانوا يجتمعون إلى موسى و يسمعون كلامه و لما بلغ أشده خالف قوم فرعون فاشتهر ذلك منه و أخافوه فكان لا يدخل مصر إلا خائفا فدخلها على حين غفلة عن ابن إسحاق ( و الثالث ) أن فرعون أمر بإخراجه من البلد فلم يدخل إلا الآن عن ابن زيد «فوجد فيها رجلين يقتتلان» أي يختصمان في الدين عن الجبائي و قيل في أمر الدنيا «هذا من شيعته و هذا من عدوه» أي أحدهما إسرائيلي و الآخر قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون و قيل كان أحدهما مسلما و الآخر كافرا عن محمد بن إسحاق «فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه» أي استنصره لينصره عليه و روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ليهنكم الاسم قال قلت و ما الاسم قال الشيعة قال أ ما سمعت الله سبحانه يقول فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه «فوكزه موسى» أي دفع في صدره بجمع كفه عن مجاهد و قيل ضربه بعصاه عن قتادة «فقضى عليه» أي فقتله و فرغ من أمره «قال هذا

من عمل الشيطان» أي بسببه حتى هيج غضبي فضربته فهو من إغرائه قال الحسن لم يكن يحل قتل الكافر يومئذ لأن الحال كانت حال الكف عن القتال و قيل معناه أن الأمر الذي وقع القتل بسببه من عمل الشيطان أي حصل بوسوسة الشيطان و ذكر المرتضى قدس الله روحه فيه وجهين آخرين ( أحدهما ) أنه أراد أن تزيين قتلي له و تركي لما ندبت إليه من تأخيره و تفويتي ما استحقه عليه من الثواب من عمل الشيطان ( و الآخر ) أنه يريد أن عمل المقتول من عمل الشيطان يبين بذلك أنه مخالف لله تعالى مستحق للقتل ثم وصف الشيطان فقال «إنه عدو» لبني آدم «مضل مبين» ظاهر العداوة و الإضلال ( سؤال ) قالوا إن هذا القتل لا يخلو من أن يكون مستحقا أو غير مستحق فإن كان غير مستحق فالأنبياء (عليهم السلام) لا يجوز عليهم ذلك عندكم لا قبل النبوة و لا بعدها و إن كان مستحقا فلا معنى لندمه عليه و استغفاره منه ( و الجواب ) أن القتل إنما وقع على سبيل تخليص المؤمن من يد من أراد ظلمه و البغي عليه و دفع مكروهه عنه و لم يكن مقصودا في نفسه و كل ألم وقع على هذا الوجه فهو حسن غير قبيح سواء كان القاتل مدافعا عن نفسه أو عن غيره و سنذكر الوجه في استغفاره منه و ندمه عليه.