أَ لَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا الّيْلَ لِيَسكُنُوا فِيهِ وَ النّهَارَ مُبْصِراً إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) وَ يَوْمَ يُنفَخُ فى الصورِ فَفَزِعَ مَن فى السمَوَتِ وَ مَن فى الأَرْضِ إِلا مَن شاءَ اللّهُ وَ كلّ أَتَوْهُ دَخِرِينَ (87) وَ تَرَى الجِْبَالَ تحْسبهَا جَامِدَةً وَ هِىَ تَمُرّ مَرّ السحَابِ صنْعَ اللّهِ الّذِى أَتْقَنَ كلّ شىْءٍ إِنّهُ خَبِيرُ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَن جَاءَ بِالْحَسنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِّنهَا وَ هُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئذٍ ءَامِنُونَ (89) وَ مَن جَاءَ بِالسيِّئَةِ فَكُبّت وُجُوهُهُمْ فى النّارِ هَلْ تجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ رَب هَذِهِ الْبَلْدَةِ الّذِى حَرّمَهَا وَ لَهُ كلّ شىْءٍ وَ أُمِرْت أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسلِمِينَ (91) وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْءَانَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنّمَا يهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَ مَن ضلّ فَقُلْ إِنّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (92) وَ قُلِ الحَْمْدُ للّهِ سيرِيكمْ ءَايَتِهِ فَتَعْرِفُونهَا وَ مَا رَبّك بِغَفِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (93)
القراءة
قرأ حمزة و حفص و خلف «أتوه» مقصورة الألف غير ممدودة بفتح التاء و قرأ الباقون آتوه بمد الألف و ضم التاء و قرأ أهل البصرة غير سهل و ابن كثير و حماد و الأعشى و البرجمي عن أبي بكر بما يفعلون بالياء و الباقون بالتاء و قرأ أهل الكوفة «من فزع» منونا «يومئذ» بفتح الميم و قرأ أهل المدينة غير إسماعيل من فزع بغير تنوين «يومئذ» بفتح الميم و قرأ ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو و نافع برواية إسماعيل و يعقوب من فزع بغير تنوين يومئذ بكسر الميم و قرأ أهل المدينة و ابن عامر و حفص و يعقوب «عما تعملون» بالتاء و الباقون بالياء.
الحجة
قال أبو علي من قرأ «أتوه» كان فعلوا من الإتيان و من قرأ آتوه فهو فاعلوه
و كلاهما محمول على معنى كل و لو حمله على اللفظ جاز كما في قوله و كلهم آتيه و إن كل من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا و حجة من قال يفعلون بالياء أن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله «و كل أتوه» و حجة التاء أنه خطاب للكافة و قد تدخل الغيبة في الخطاب و لا يدخل الخطاب في الغيبة و قوله «من فزع يومئذ» من نون كان في انتصاب يوم ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون منتصبا بالمصدر كأنه قال و هم من أن يفزعوا يومئذ آمنون ( و الآخر ) أن يكون اليوم صفة لفزع لأن أسماء الأحداث توصف بأسماء الزمان كما يخبر عنها بها و فيه ذكر الموصوف و تقديره في هذا الوجه أن يتعلق بمحذوف كأنه من فزع بحدث يومئذ ( و الثالث ) أن يتعلق باسم الفاعل كأنه آمنون من فزع يومئذ و يجوز إذا نون الفزع أن يعني به فزعا واحدا و يجوز أن يعني به كثرة لأنه مصدر و المصادر تدل على الكثرة و إن كانت مفردة الألفاظ كقوله تعالى «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير» و كذلك إذا أضاف فقال «من فزع يومئذ» أو يومئذ و يجوز أن يعني به مفردا و يجوز أن يعني به كثرة فأما القول في إعراب يوم و بنائه إذا أضيف إلى إذ فقد ذكر فيما تقدم و حجة من قرأ يعملون بالياء أنه وعيد للمشركين و حجة التاء أنه على معنى.
قل لهم ذلك.
الإعراب
وصف النهار بأنه مبصر فيه وجهان ( أحدهما ) أن معناه ذو إبصار كقوله عيشة راضية أي ذات رضى و كقول النابغة
كليني لهم يا أميمة ناصب أي ذي نصب ( و الثاني ) أنه يريك الأشياء كما يراها من يبصرها بالنور الذي تجلى عندها و فيه قول ثالث إنه مثل قول جرير
{لقد لمتنا يا أم غيلان في السري --- و نمت و ما ليل المطي بنائم}
أي بالذي ينام فيه فيكون مبصرا بمعنى ما يبصر فيه.
المعنى
ثم بين سبحانه قدرته على الإعادة و البعث بما احتج به على الكفار فقال «أ لم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه» عن التعب و الحركات «و النهار مبصرا» أي يبصر فيه و يمكن التصرف فيه لضيائه و يدرك بنوره جميع الأشخاص كما يدرك بنور البصر «إن في ذلك لآيات» أي دلالات «لقوم يؤمنون» لأن جعل الشيء لما يصلح له من الانتفاع إنما
يكون بالاختيار و لا يكون بالطباع «و يوم ينفخ في الصور» منصوب بتقدير و اذكر يوم ينفخ إسرافيل بأمر الله تعالى في الصور و ذلك اليوم الذي يقع عليهم القول بما ظلموا و يجوز أن يكون على حذف في الكلام و التقدير و يوم ينفخ في الصور و تكون النشأة الثانية و اختلف في معنى الصور فقيل هو صور الخلق جمع صورة عن الحسن و قتادة و يكون معناه يوم ينفخ الروح في الصور فيبعثون و قيل هو قرن ينفخ فيه شبه البوق عن مجاهد و قد ورد ذلك في الحديث «ففزع من في السموات و من في الأرض» أي ماتوا لشدة الخوف و الفزع يدل عليه قوله في موضع آخر فصعق من في السموات الآية و قيل هي ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع و الثانية نفخة الصعق و الثالثة نفخة القيام لرب العالمين «إلا من شاء الله» من الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم و هم جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل و قيل يعني الشهداء فإنهم لا يفزعون في ذلك اليوم و روي ذلك في خبر مرفوع «و كل» من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا «أتوه» أي يأتونه في المحشر «داخرين» أي أذلاء صاغرين عن ابن عباس و قتادة «و ترى الجبال تحسبها جامدة» أي واقفة مكانها لا تسير و لا تتحرك في مرأى العين «و هي تمر مر السحاب» أي تسير سيرا حثيثا مثل سير السحاب عن ابن عباس و في مثل هذا المعنى قول النابغة الجعدي يصف جيشا
{بأرعن مثل الطود تحسب أنهم --- وقوف لحاج و الركاب تهملج}
أي تحسب أنهم وقوف من أجل كثرتهم و التفافهم فكذلك المعنى في الجبال إنك لا ترى سيرها لبعد أطرافها كما لا ترى سير السحاب إذا انبسط لبعد أطرافه و ذلك إذا أزيلت الجبال عن أماكنها للتلاشي كما في قوله و تكون الجبال كالعهن المنفوش «صنع الله» أي صنع الله ذلك صنعا و انتصب بما دل عليه ما تقدمه من قوله «و هي تمر مر السحاب» و ذكر اسم الله لأنه لم يأت ذكره فيما قبل و إنما دل عليه «الذي أتقن كل شيء» أي خلق كل شيء على وجه الإتقان و الإحكام و الاتساق قال قتادة أي أحسن كل شيء خلقه و قيل الإتقان حسن في إيثاق «أنه خبير بما تفعلون» أي عليم بما يفعل أعداؤه من المعصية و بما يفعل أولياؤه من الطاعة ثم بين سبحانه كيفية الجزاء على أفعال الفريقين فقال «من جاء بالحسنة» أي بكلمة التوحيد و الإخلاص عن قتادة و قيل بالإيمان عن النخعي و كان يحلف و لا يستثني أن الحسنة لا إله إلا الله و المعنى من وافى يوم القيامة بالإيمان «فله خير منها» قال ابن عباس أي فمنها
يصل الخير إليه و المعنى قوله فله من تلك الحسنة خير يوم القيامة و هو الثواب و الأمان من العقاب فخير هاهنا اسم و ليس بالذي هو بمعنى الأفضل و هو المروي عن الحسن و عكرمة و ابن جريج قال عكرمة فأما أن تكون خيرا من الإيمان فلا فليس شيء خيرا من لا إله إلا الله و قيل معناه فله أفضل منها في معظم النفع لأنه يعطي بالحسنة عشرا عن زيد بن أسلم و محمد بن كعب و ابن زيد و قيل لأن الثواب فعل الله تعالى و الطاعة فعل العبد و قيل هو رضوان الله و رضوان من الله أكبر «و هم من فزع يومئذ آمنون» قال الكلبي إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها و أهل الجنة آمنون من ذلك الفزع «و من جاء بالسيئة» أي بالمعصية الكثيرة التي هي الكفر و الشرك عن ابن عباس و أكثر المفسرين «فكبت وجوههم في النار» أي ألقوا في النار منكوسين «هل تجزون إلا ما كنتم تعملون» يعني أن هذا الجزاء فعلكم و ليس بظلم حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني قال حدثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد قال أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى بن أحمد قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال حدثني جعفر بن الحسين قال حدثني محمد بن زيد بن علي ( ع ) عن أبيه قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له يا أبا عبد الله أ لا أخبرك بقول الله تعالى «من جاء بالحسنة» إلى قوله «تعلمون» قال بلى جعلت فداك قال الحسنة حبنا أهل البيت و السيئة بغضنا و حدثنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم قال أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد الحميري قال حدثنا جدي أحمد بن إسحاق الحميري قال حدثنا جعفر بن سهل قال حدثنا أبو زرعة عثمان بن عبد الله القرشي قال حدثنا ابن لهيعة عن ابن الزبير عن جابر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا علي لو أن أمتي صاموا حتى صاروا كالأوتاد و صلوا حتى صاروا كالحنايا ثم أبغضوك لأكبهم الله على مناخرهم في النار ثم قال سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قل لهم «إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة» يعني مكة عن ابن عباس و قال أبو العالية هي مني «الذي حرمها» أي جعلها حرما آمنا يحرم فيها ما يحل في غيرها لا ينفر صيدها و لا يختلى خلاها و لا يقتص فيها «و له كل شيء» أي و هو مالك كل شيء مما أحله و حرمه فيحرم ما شاء و يحل ما شاء «و أمرت أن أكون من المسلمين» أي من المخلصين لله بالتوحيد «و أن أتلو القرآن» عليكم يا أهل مكة و أدعوكم إلى ما فيه «فمن اهتدى» إلى الحق و العمل بما فيه «فإنما يهتدي لنفسه» لأن ثواب ذلك و جزاءه يصل إليه دون غيره «و من ضل» عنه و حاد و لم يعمل بما فيه و لم يهتد إلى الحق «فقل» له يا محمد «إنما أنا من المنذرين» الذين يخوفون بعقاب الله من
###
معاصيه و يدعون إلى طاعته و لا أقدر على إكراههم على الإيمان و الدين «و قل الحمد لله» اعترافا بنعمته إذا اختاروني لرسالته «سيريكم آياته» يوم القيامة «فتعرفونها» و تعرفون أنها على ما أخبرتم بها في الدنيا عن الحسن و قيل معنى آياته هي العذاب في الدنيا و القتل ببدر فتعرفونها أي تشاهدونها و رأوا ذلك ثم عجلهم الله إلى النار عن مقاتل «و ما ربك بغافل عما تعملون» بل هو عالم بجميع ذلك فيجازيكم عليها و إنما يؤخر عقابكم إلى وقت تقتضيه الحكمة.
النظم
وجه اتصال قوله «إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة» بما قبله أنه سبحانه لما بين أن الأمن من أهوال القيامة للمؤمن المحسن فكان قائلا قال و ما الحسنة و كيف العبادة فقال إنما أمرت.