۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النمل، آية ١٨

التفسير يعرض الآيات ١٥ إلى ١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥ وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ ١٦ وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٧ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٨ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَ سلَيْمَنَ عِلْماً وَ قَالا الحَْمْدُ للّهِ الّذِى فَضلَنَا عَلى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَ وَرِث سلَيْمَنُ دَاوُدَ وَ قَالَ يَأَيّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطيرِ وَ أُوتِينَا مِن كلِّ شىْءٍ إِنّ هَذَا لهَُوَ الْفَضلُ الْمُبِينُ (16) وَ حُشِرَ لِسلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الانسِ وَ الطيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتى إِذَا أَتَوْا عَلى وَادِ النّمْلِ قَالَت نَمْلَةٌ يَأَيّهَا النّمْلُ ادْخُلُوا مَسكِنَكمْ لا يحْطِمَنّكُمْ سلَيْمَنُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ (18) فَتَبَسمَ ضاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَ قَالَ رَب أَوْزِعْنى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَك الّتى أَنْعَمْت عَلىّ وَ عَلى وَلِدَى وَ أَنْ أَعْمَلَ صلِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنى بِرَحْمَتِك فى عِبَادِك الصلِحِينَ (19)

اللغة

الوزع أصله المنع و الكف يقال وزعه عن الظلم قال النابغة:

{على حين عاتبت المشيب على الصبا --- و قلت ألما تصح و الشيب وازع}

و قال آخر:

{أ لم تزع الهوى إذ لم تواتي --- بلى و سلوت عن طلب الفتاة}

و الحطم الكسر و منه الحطمة من أسماء جهنم و الحطام ما تحطم و الإيزاع الإلهام و فلان موزع بكذا أي مولع به قال الزجاج أوزعني تأويله في اللغة كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك و كفني عما يباعد منك.

الإعراب

لا يحطمنكم في موضع جزم لأنه جواب الأمر قال الزجاج ضاحكا حال مؤكدة لأن تبسم في معنى ضحك و قال بعض المتأخرين يجوز أن يكون حالا بعد الفراغ من الفعل لأن التبسم دون الضحك فكأنه تبسم أولا ثم آل أمره إلى الضحك.

المعنى

ثم عطف سبحانه على قصة موسى (عليه السلام) قصة داود و سليمان (عليهما السلام) فقال سبحانه «و لقد آتينا داود و سليمان علما» أي علما بالقضاء بين الخلق و بكلام الطير و الدواب عن ابن عباس «و قالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين» أي اختارنا من بين الخلق بأن جعلنا أنبياء و بالمعجزة و الملك و العلم الذي أتاناه و بإلانة الحديد و تسخير الشياطين و الجن و الإنس و إنما نكر قوله «علما» ليدل على أنه أراد علما احتاجا إليه مما ينبىء عن صدقهما في دعوى الرسالة «و ورث سليمان داود» في هذا دلالة على أن الأنبياء يورثون المال كتوريث غيرهم و هو قول الحسن و قيل معناه أنه ورثه علمه و نبوته و ملكه دون سائر أولاده و معنى الميراث هنا أنه قام مقامه في ذلك فأطلق عليه اسم الإرث كما أطلق على الجنة اسم الإرث عن الجبائي و هذا خلاف للظاهر و الصحيح عند أهل البيت (عليهم السلام) هو الأول «و قال» سليمان مظهرا لنعمة الله و شاكرا إياها «يا أيها الناس علمنا منطق الطير» أهل العربية يقولون أنه لا يطلق النطق على غير بني آدم و إنما يقال الصوت لأن النطق عبارة عن الكلام و لا كلام للطير إلا أنه لما فهم سليمان معنى صوت الطير سماه منطقا مجازا و قيل أنه أراد حقيقة المنطق لأن من الطير ما له كلام مهجى كالطيطوى قال المبرد العرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا و متكلما قال رؤبة:

{لو أنني أعطيت علم الحكل --- علم سليمان كلام النمل}

و الحكل ما لا يسمع له صوت و قال علي بن عيسى أن الطير كانت تكلم سليمان معجزة له كما أخبر عن الهدهد و منطق الطير صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة بخلاف منطق الناس الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة و لذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها و لم تفهم هي عنا لأن أفهامها مقصورة على تلك الأمور المخصوصة و لما جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها «و أوتينا من كل شيء» أي من كل شيء يؤتى الأنبياء و الملوك و قيل من كل ما يطلبه طالب لحاجته إليه و انتفاعه به و قيل من كل شيء علما و تسخيرا في كل ما يصلح أن يكون معلوما لنا أو مسخرا لنا غير أن مخرجه مخرج العموم فيكون أبلغ و أحسن و روى الواحدي بالإسناد عن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال أعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض و مغاربها فملك سبعمائة سنة و ستة أشهر ملك أهل الدنيا كلهم من الجن و الإنس و الشياطين و الدواب و الطير و السباع و أعطي علم كل شيء و منطق كل شيء و في زمانه صنعت الصنائع المعجبة التي سمع بها الناس و ذلك قوله «علمنا منطق الطير و أوتينا من كل شيء» «إن هذا لهو الفضل المبين» أي هذا فضل الله الظاهر الذي لا يخفى على أحد و هذا قول سليمان على وجه الاعتراف بنعم الله عليه و يحتمل أن يكون من قول الله سبحانه على وجه الأخبار بأن ما ذكره هو الفضل المبين «و حشر لسليمان جنوده» أي جمع له جموعه و كل صنف من الخلق جند على حدة بدلالة قوله «من الجن و الإنس و الطير» قال المفسرون كان سليمان إذا أراد سفرا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود على بساط ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء و الأرض و المعنى و حشر لسليمان جنوده أي جمع له جموعه في مسير له و قال محمد بن كعب بلغنا أن سليمان بن داود كان معسكره مائة فرسخ خمسة و عشرون منها للإنس و خمسة و عشرون للجن و خمسة و عشرون للوحش و خمسة و عشرون للطير و كان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة و سبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه و يأمر الرخاء فتسير به فأوحى الله تعالى إليه و هو يسير بين السماء و الأرض أني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح فأخبرتك و قال مقاتل نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم و كان يوضع فيه منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه و حوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب و فضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب و العلماء على كراسي الفضة و حولهم الناس و حول الناس الجن و الشياطين و تظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس و ترفع الريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح و من

الرواح إلى الصباح «فهم يوزعون» أي يمنع أولهم على آخرهم عن ابن عباس و معنى ذلك أن على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولهم على آخرهم ليتلاحقوا و لا يتفرقوا كما تقوم الجيوش إذا كثرت بمثل ذلك و هو أن تدفع أخراهم و توقف أولاهم و قيل معناه يحبسون عن ابن زيد و هو مثل الأول في أنه يحبس أولاهم على أخراهم «حتى إذا أتوا على واد النمل» أي فسار سليمان و جنوده حتى إذا أشرفوا على واد و هو بالطائف عن كعب و قيل هو بالشام عن قتادة و مقاتل «قالت نملة» أي صاحت بصوت خلق الله لها و لما كان الصوت مفهوما لسليمان عبر عنه بالقول و قيل كانت رئيسة النمل «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم» أي لا يكسرنكم «سليمان و جنوده و هم لا يشعرون» بحطمكم و وطئكم فإنهم لو علموا بمكانكم لم يطؤوكم و هذا يدل على أن سليمان و جنوده كانوا ركبانا و مشاة على الأرض و لم تحملهم الريح لأن الريح لو حملتهم بين السماء و الأرض لما خافت النمل أن يطئوها بأرجلهم و لعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله الريح لسليمان فإن قيل كيف عرفت النملة سليمان و جنوده حتى قالت هذه المقالة قلنا إذا كانت مأمورة بطاعته فلا بد أن يخلق لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته و لا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما يستدرك به ذلك و قد علمنا أنه تشق ما تجمع من الحبوب بنصفين مخافة أن يصيبها الندى فتنبت إلا الكزبرة فإنها تكسرها بأربع قطع لأنها تنبت إذا شقت بنصفين فمن هداها إلى هذا فإنه جل جلاله يهديها إلى تمييز ما يحطمها مما لا يحطمها و قيل إن ذلك كان منها على سبيل المعجز الخارق للعادة لسليمان (عليه السلام) قال ابن عباس فوقف سليمان بجنوده حتى دخل النمل مساكنه «فتبسم» سليمان «ضاحكا من قولها» و سبب ضحك سليمان التعجب و ذلك إن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب و ضحك و قيل أنه تبسم بظهور عدله حيث بلغ عدله في الظهور مبلغا عرفه النمل و قيل إن الريح أطارت كلامها إليه من ثلاثة أميال حتى سمع ذلك فانتهى إليها و هي تأمر النمل بالمبادرة فتبسم من حذرها «و قال رب أوزعني» أي ألهمني «أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي» بأن علمتني منطق النمل و أسمعتني قولها من بعيد حتى أمكنني الكف و أكرمتني بالنبوة و الملك «و على والدي» أي أنعمت على والدي بأن أكرمته بالنبوة و فصل الخطاب و ألنت له الحديد و على والدتي بأن زوجتها نبيك و جعل النعمة عليها نعمة لله سبحانه عليه يلزمه شكرها «و أن أعمل صالحا ترضاه» أي وفقني لأن أعمل صالحا في المستقبل ترضاه «و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» قال ابن عباس يعني إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و من بعدهم من النبيين أي أدخلني في جملتهم و أثبت اسمي مع أسمائهم و احشرني في زمرتهم و قال ابن زيد في عبادك معناه مع

عبادك قال الزجاج جاء لفظ ادخلوا كلفظ ما يعقل لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حتى نطق كما ينطق الآدميون و إنما يقال لما لا يعقل ادخلي و في الخبر دخلت أو دخلن و روي أن نمل سليمان هذا كان كأمثال الذئاب و الكلاب.