۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة مريم، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ٧ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩ قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَزَكرِيَّا إِنَّا نُبَشرُك بِغُلَمٍ اسمُهُ يحْيى لَمْ نجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سمِيًّا(7) قَالَ رَب أَنى يَكُونُ لى غُلَمٌ وَ كانَتِ امْرَأَتى عَاقِراً وَ قَدْ بَلَغْت مِنَ الْكبرِ عِتِيًّا(8) قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبُّك هُوَ عَلىَّ هَينٌ وَ قَدْ خَلَقْتُك مِن قَبْلُ وَ لَمْ تَك شيْئاً(9) قَالَ رَب اجْعَل لى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُك أَلا تُكلِّمَ النَّاس ثَلَث لَيَالٍ سوِيًّا(10) فخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَن سبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا(11)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي « عتيا » و صليا و جثيا و بكيا بكسر أوائلها و حفص كذلك إلا

في بكيا فإنه يضم الباء منها و الباقون بالضم في الجميع و قرأ حمزة و الكسائي خلقناك و الباقون « خلقتك ».

الحجة

قال أبو علي: اعلم أن ما كان على فعول كان على ضربين (أحدهما) أن يكون جمعا و الآخر أن يكون مصدرا و قد جاءت أحرف في غير المصادر و هي قليلة و الجمع إذا كان على فعول من معتل اللام جاء على ضربين (أحدهما) أن يكون اللام واوا و الآخر أن يكون ياء فما كانت اللام منه واوا من هذه المجموع قلبت إلى الياء و ذلك نحو حقو و حقي و عصا و عصي و قد جاءت حروف قليلة من ذلك على الأصل فمن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم إنكم لتنظرون في نجو كثيرة و قولهم فتو في جمع فتى فما كان كذلك فإن كسر الفاء فيه مطرد و ذلك نحو ولي و حقي و عصي و إنما جاز ذلك لأنها غيرت تغييرين و هما أن الواو التي هي لام قلبت و الواو التي كانت قبلها قلبت أيضا فلما غيرت تغييرين قويا على هذا التغيير من كسر الفاء و أما ما كان لامه ياء نحو ثدي و حلي و نجي فقد كسروا الفاء أيضا منه فقالوا حلي و ثدي و إن لم يغير تغييرين فقد أجروا الياء هاهنا مجرى الواو كما أجروا الياء في اتسر و اتبس افتعل من اليسر و اليبس مجرى الواو و في اتصل و اتهب فأما ما كان من ذلك مصدرا فما كان من الواو فالقياس فيه أن يصح نحو العتو و العلو لأن واوه لم يلزمها الانقلاب كما لزمها الانقلاب في الجمع و لكن لما كانوا قد قلبوا الواو في هذا النحو و إن كان مفردا نحو معدي و مرضى قلبوا ذلك أيضا في نحو عتي ثم أجري المصدر مجرى الجمع في كسر الفاء منه فأما ما كان من هذه المصادر من الياء فليس يستمر الكسر في فائه كما استمر في الجمع و في المصادر التي من الواو أ لا ترى أن المضي في نحو فما استطاعوا مضيا ليس أحد يروي فيه الكسر فيما علمنا و حكى أبو عمرو عن أبي زيد آوى إليه إويا و مما يؤكد الكسر في هذا النحو إنهم قد قالوا قسي فألزموها كسر القاف و ذلك إنه قلبت الواو إلى موضع اللام فلما وقعت موقعها قلبت كما تقلب الواو إذا كانت لاما و كسرت الفاء و ألزمت الكسرة و حجة من قال « قد خلقتك » إن قبله « قال ربك » و حجة من قال خلقناك قوله فيما بعد و حنانا من لدنا و لأنه قد جاء بلفظ الجمع بعد لفظ الإفراد قال سبحانه سبحان الذي أسرى بعبده ثم قال و آتينا موسى الكتاب.

اللغة

الغلام اسم المذكر أول ما يبلغ و منه اشتق اغتلم الرجل إذا اشتدت شهوته للجماع ثم يستعمل في التلميذ فيقال غلام تغلب العتي و العسي بمعنى يقال عتا يعتو عتوا و عتيا و عسى يعسو عسوا و عسيا فهو عات و عاس إذا غيره طول الزمان إلى حال اليبس

و الجفاف و في حرف أبي و قد بلغت من الكبر عسيا و الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفية بسرعة و أصله من قولهم الوحى الوحى أي الإسراع الإسراع.

الإعراب

« اسمه يحيى » جملة اسمية مجرورة الموضع صفة الغلام كذلك في موضع رفع لأنه خبر مبتدإ محذوف أي الأمر كما قيل لك « و لم تك » أصله لم تكن حذفت النون منه لكثرته في الكلام فكأنه جزم مرتين و سويا منصوب على الحال « أن سبحوا » يجوز أن يكون التقدير أي سبحوا و يجوز أن يكون أنه سبحوا فخفف و أضمر الاسم و لم يعرض من المضمر شيئا كقوله لو لا أن من الله علينا كما جاء العوض في قوله ليعلم أن قد أبلغوا و علم أن سيكون منكم مرضى و حسبوا ألا تكون فتنة فيمن رفع.

و « بكرة و عشيا » منصوبان على الظرف.

المعنى

« يا زكريا إنا نبشرك بغلام » هاهنا حذف معناه فاستجاب الله دعاء زكريا و أوحى إليه يا زكريا إنا نخبرك على ألسنة الملائكة بخبر يرى السرور به في وجهك و هو أن يولد لك ابن « اسمه يحيى » و قد تقدم تفسيره في سورة آل عمران « لم نجعل له من قبل سميا » أي لم يسم أحد قبله باسمه عن قتادة و ابن جريج و السدي و ابن زيد و في هذا تشريف له من وجهين (أحدهما) إن الله سبحانه تولى تسميته و لم يكلها إلى الأبوين و الآخر أنه سماه باسم لم يسبق إليه يدل ذلك الاسم على فضله و قال أبو عبد الله (عليه السلام) و كذلك الحسين (عليه السلام) لم يكن له من قبل سميا و لم تبك السماء إلا عليهما أربعين صباحا قيل له و ما كان بكاؤها قال كانت تطلع حمراء و تغيب حمراء و كان قاتل يحيى ولد زنا و قاتل الحسين (عليه السلام) ولد زنا و روى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين (عليهماالسلام) قال خرجنا مع الحسين (عليه السلام) فما نزل منزلا و لا ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريا و قال يوما و من هوان الدنيا على الله عز و جل أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل و قيل إن معنى قوله « لم نجعل له من قبل سميا » لم تلد العواقر مثله ولدا و هو كقوله هل تعلم له سميا أي مثلا عن ابن عباس و مجاهد « قال رب أنى يكون لي غلام » فسرناه في سورة آل عمران « و كانت امرأتي عاقرا » قال الحسن: إنما قال ذلك على جهة الاستخبار أي

أ تعيدنا شابين أم ترزقنا الولد شيخين « و قد بلغت من الكبر عتيا » معناه و قد بلغت من كبر السن إلى حال اليبس و الجفاف و نحول العظم عن قتادة و مجاهد قال قتادة: كان له بضع و تسعون سنة « قال كذلك » أي قال الله سبحانه الأمر على ما أخبرتك من هبة الولد على الكبر « قال ربك هو علي هين » أرد عليك قوتك حتى تقوى على الجماع و افتق رحم امرأتك بالولد عن ابن عباس « و قد خلقتك من قبل » أي من قبل يحيى « و لم تك شيئا » أي أنشأتك و أوجدتك و لم تك شيئا موجودا فإزالة عقر زوجتك و إزالة ما يمنع قبول الولد أيسر في الاعتبار من ابتداء الإنشاء و روى الحكم بن عيينة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما ولد يحيى بعد البشارة له من الله بخمس سنين « قال » زكريا يا « ربي اجعل لي آية » أي دلالة و علامة استدل بها على وقت كونه « قال » الله تعالى « آيتك » أي علامتك على ذلك « ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا » أي و أنت سوي صحيح سليم من غير علة قال ابن عباس: اعتقل لسانه من غير مرض ثلاثة أيام و قال قتادة و السدي: اعتقل لسانه من غير بأس و لا خرس فإنه كان يقرأ الزبور و يدعو إلى الله و يسبحه و لا يمكنه أن يكلم الناس و هذا أمر خارج عن العادة « فخرج على قومه من المحراب » أي من مصلاه عن ابن زيد و سمي المحراب محرابا لأن المتوجه إليه في صلاته كالمحارب للشيطان على صلاته و الأصل فيه مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذبا عن أهله قالوا و كان زكريا قد أخبر قومه بما بشر به فلما خرج عليهم و امتنع من كلامهم علموا إجابة دعائه فسروا به « فأوحى إليهم » أي أشار إليهم و أومأ بيده و قيل كتب لهم في الأرض عن مجاهد « أن سبحوا بكرة و عشيا » أي صلوا بكرة و عشيا عن الحسن و قتادة و تسمى الصلاة سبحة و تسبيحا لما فيها من التسبيح و قيل أراد التسبيح بعينه و قال ابن جريج أشرف عليهم زكريا من فوق غرفة كان يصلي فيها لا يصعد إليها إلا بسلم و كانوا يصلون معه الفجر و العشاء فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه فلما اعتقل لسانه خرج على عادته و أذن لهم بغير كلام فعرفوا عند ذلك أنه قد جاء وقت حمل امرأته بيحيى فمكث ثلاثة أيام لا يقدر على الكلام معهم و يقدر على التسبيح و الدعاء.