أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصحَب الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ ءَايَتِنَا عجَباً(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِن لَّدُنك رَحْمَةً وَ هَيئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشداً(10) فَضرَبْنَا عَلى ءَاذَانِهِمْ فى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً(11) ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَى الحِْزْبَينِ أَحْصى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(12)
اللغة
الكهف المغارة في الجبل إلا أنه واسع فإذا صغر فهو غار و الرقيم أصله من الرقم و هو الكتابة يقال رقمت الكتاب أرقمه فهو فعيل بمعنى مفعول كالجريح و القتيل و منه الرقم في الثوب لأنه خط يعرف به ثمنه و الأرقم الحية المنقشة لما فيه من الخطوط و تقول العرب عليك بالرقمة و دع الضفة أي عليك برقمة الوادي حيث الماء و دع الجانب و الأوى
الرجوع و الفتية جمع فتى و فعلة من أسماء الجمع و ليس بناء يقاس عليه يقال صبي و صبية و غلام و غلمة و لا يقال غني و غنية لأنه غير مطرد في بابه و الضرب معروف و معنى ضربنا على آذانهم سلطنا عليهم النوم و هو من الكلام البالغ في الفصاحة يقال ضربه الله بالفالج إذا ابتلاه الله به قال قطرب: هو كقول العرب ضرب الأمير على يد فلان إذا منعه من التصرف قال الأسود بن يعفر و كان ضريرا:
{و من الحوادث لا أبا لك أنني --- ضربت علي الأرض بالأسداد}
و الحزب الجماعة و الأمد الغاية قال النابغة:
{إلا لمثلك أو من أنت سابقة --- سبق الجواد إذا استولى على الأمد}
الإعراب
« سنين » نصب على الظرف و « عددا » منصوب على ضربين (أحدهما) على المصدر المعنى تعد عددا و يجوز أن يكون نعتا لسنين.
المعنى سنين ذات عدد قال الزجاج: و الفائدة في قولك عدد في الأشياء المعدودات أنك تريد توكيد كثرة الشيء لأنه إذا قل فهم مقداره و مقدار عدده فلم يحتج إلى أن يعد فالعدد في قولك أقمت أياما عددا إنك تريد بها الكثرة و جائز أن يؤكد بعدد معنى الجماعة في أنها قد خرجت من معنى الواحد قال و أمدا منصوب على نوعين (أحدهما) التمييز (و الآخر) على أحصى أمدا فيكون العامل فيه أحصى كأنه قال لنعلم أ هؤلاء أحصى للأمد أم هؤلاء و يكون منصوبا بلبثوا و يكون أحصى متعلقا بلما فيكون المعنى أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد قال أبو علي: إن انتصابه على التمييز عندي غير مستقيم و ذلك لأنه لا يخلو من أن يحمل أحصى على أن يكون فعلا ماضيا أو أفعل نحو أحسن و أعلم فلا يجوز أن يكون أحصى بمعنى أفعل من كذا و غير مثال للماضي من وجهين (أحدهما) أنه يقال أحصى يحصي و في التنزيل أحصاه الله و نسوة و أفعل يفعل لا يقال فيه هو أفعل من كذا و أما قولهم ما أولاه بالخير و ما أعطاه الدرهم فمن الشاذ النادر الذي حكمه أن يحفظ و لا يقاس عليه (و الآخر) إن ما ينتصب على التمييز في نحو قولهم هو أكثر مالا و أعز علما يكون في المعنى فاعلا أ لا ترى أن المال هو الذي كثر و العلم هو الذي عز و ليس ما في الآية كذلك أ لا ترى أن الأمد ليس هو الذي أحصى فهو خارج عن حد هذه الأسماء و إذا كان ماضيا كان المعنى لنعلم أي الحزبين أحصى أمدا للبثهم فيكون الأمد على هذا منتصبا بأنه مفعول به و العامل فيه أحصى.
النزول
محمد بن إسحق بإسناده عن سعيد بن جبير و عكرمة عن ابن عباس أن النضر بن الحرث بن كلدة و عقبة بن أبي معيط أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة و قالوا لهما سلاهم عن محمد و صفا لهم صفته و خبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول و عندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار اليهود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قالا لهم ما قالت قريش فقال لهما أحبار اليهود اسألوه عن ثلاث فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل و إن لم يفعل فهو رجل متقول فرأوا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب و سلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض و مغاربها ما كان نبؤه و سلوه عن الروح ما هو و في رواية أخرى فإن أخبركم عن الثنتين و لم يخبركم بالروح فهو نبي فانصرفا إلى مكة فقالا يا معاشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم و بين محمد و قصا عليهم القصة فجاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه فقال أخبركم بما سألتم عنه غدا و لم يستثن فانصرفوا عنه فمكث (صلى الله عليه وآله وسلم) خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا و لا يأتيه جبرائيل حتى أرجف أهل مكة و تكلموا في ذلك فشق على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يتكلم به أهل مكة عليه ثم جاءه جبرائيل (عليه السلام) عن الله سبحانه بسورة الكهف و فيها ما سألوه عنه عن أمر الفتية و الرجل الطواف و أنزل عليه و يسألونك عن الروح الآية قال ابن إسحق: فذكر لي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل حين جاءه لقد احتبست عني يا جبرائيل فقال له جبرائيل (عليه السلام) و ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا الآية.
المعنى
« أم حسبت » معناه بل أ حسبت يا محمد « أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا » فلخلق السماوات و الأرض أعجب من هذا عن مجاهد و قتادة و يحتمل أنه لما استبطأ الجواب حين سألوه عن القصة قيل له أ حسبت أن هذا شيء عجيب حرصا على إيمانهم حتى قوي طمعك إنك إذا أخبرتهم به آمنوا و المراد بالكهف كهف الجبل الذي أوى إليه القوم الذين قص الله أخبارهم و اختلف في معنى الرقيم فقيل إنه اسم الوادي الذي كان فيه الكهف عن ابن عباس و الضحاك و قيل الكهف غار في الجبل و الرقيم الجبل نفسه عن الحسن و قيل الرقيم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف عن كعب و السدي و قيل هو لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف عن سعيد بن جبير و اختاره البلخي و الجبائي و قيل جعل ذلك اللوح في خزائن الملوك لأنه من عجائب الأمور و قيل الرقيم كتاب و لذلك الكتاب خبر فلم يخبر الله تعالى عما فيه عن ابن زيد و قيل إن أصحاب الرقيم هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسد عليهم فقالوا ليدعو الله تعالى
كل واحد منا بعمله حتى يفرج الله عنا ففعلوا فنجاهم الله و رواه النعمان بن بشير مرفوعا « إذ أوى الفتية إلى الكهف » أي اذكر لقومك إذ التجأ أولئك الشبان إلى الكهف و جعلوه مأواهم هربا بدينهم إلى الله « فقالوا » حين آووا إليه « ربنا آتنا من لدنك رحمة » أي نعمة ننجو بها من قومنا و فرج عنا ما نزل بنا « و هيىء لنا من أمرنا رشدا » أي هيىء و أصلح لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد و قيل هيىء لنا مخرجا من الغار في سلامة عن ابن عباس و قيل معناه دلنا على أمر فيه نجاتنا لأن الرشد و النجاة بمعنى و قيل يسر لنا من أمرنا ما نلتمس به رضاك و هو الرشد و قالوا هؤلاء الفتية قوم آمنوا بالله تعالى و كانوا يخفون الإسلام خوفا من ملكهم و كان اسم الملك دقيانوس و اسم مدينتهم أفسوس و كان ملكهم يعبد الأصنام و يدعو إليها و يقتل من خالفه و قيل إنه كان مجوسيا يدعو إلى دين المجوس و الفتية كانوا على دين المسيح لما برح أهل الإنجيل و قيل كانوا من خواص الملك و كان يسر كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه ثم اتفق أنهم اجتمعوا و أظهروا أمرهم فأووا إلى الكهف عن عبيد بن عمير و قيل إنهم كانوا قبل بعث عيسى (عليه السلام) « فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا » معناه أنمناهم سنين ذات عدد و تأويله فأجبنا دعاءهم و سددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة لأن النائم إنما ينتبه بسماع الصوت و دل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا و كانوا نياما في أمن و راحة و جمام نفس و هذا من فصيح لغات القرآن التي لا يمكن أن يترجم بمعنى يوافق اللفظ « ثم بعثناهم » أي أيقظناهم من نومهم « لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا » أي ليظهر معلومنا على ما علمناه و ذكرنا الوجه في أمثاله فيما سبق و المعنى لننظر أي الحزبين من المؤمنين و الكافرين من قوم أصحاب الكهف عد أمد لبثهم و علم ذلك و كأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بيتهم فبعثهم الله ليبين ذلك و يظهر و قيل يعني بالحزبين أصحاب الكهف لما استيقظوا اختلفوا في تعداد لبثهم و ذلك قوله و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم الآية.
النظم
اتصل قوله « أم حسبت أن أصحاب الكهف » الآية بما قبلها من وجوه (أحدها) أنه لما أخبر عن زينة الأرض و عن الابتلاء عقبه بذكر الفتية التي تركت زينة الدنيا و اختارت طاعة الله و فارقت ديارها و أموالها حثا على الاقتداء بهم (و الآخر) إنه اتصل بقوله فلعلك باخع نفسك على آثارهم أي فلا تأسف عليهم لأنه لا يضرك كفرهم و الله ناصرك و حافظك من أعدائك كما حفظ أصحاب الكهف (و الثالث) إنه اتصل بقوله و يبشر المؤمنين أي و ينصرهم كما نصر أصحاب الكهف.