۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١٣ إلى ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣ وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥ وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

نحْنُ نَقُص عَلَيْك نَبَأَهُم بِالْحَقّ‏ِ إِنهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنَهُمْ هُدًى(13) وَ رَبَطنَا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شططاً(14) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسلْطنِ بَينٍ فَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنِ افْترَى عَلى اللَّهِ كَذِباً(15) وَ إِذِ اعْتزَلْتُمُوهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُا إِلى الْكَهْفِ يَنشرْ لَكمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَ يُهَيئْ لَكم مِّنْ أَمْرِكم مِّرْفَقاً(16)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر و الأعشى و البرجمي عن أبي بكر مرفقا بفتح الميم و كسر الفاء و الباقون « مرفقا » بكسر الميم و فتح الفاء.

الحجة

قال الزجاج: و ذكر قطرب و غيره اللغتين جميعا في مرفق الأمر و مرفق اليد و مرفق اليد بالكسر أجود قال أبو الحسن: مرفقا أي شيئا يرتفقون به مثل المقطع و نحوه و مرفقا جعله اسما مثل المسجد أو يكون لغة قال أبو علي: قوله جعله اسما أي جعل المرفق اسما و لم يجعلوه اسم المكان و لا المصدر من رفق يرفق كما أن المسجد ليس باسم الموضع من سجد يسجد و قوله أو يكون لغة أو يجعله في اسم المصدر كما جاء المطلع و نحوه و لو كان على القياس لفتحت اللام.

اللغة

الشطط الخروج عن الحد بالغلو فيه و أصله مجاوزة الحد في البعد و شطت الجارية تشط شططا و شطاطة إذا جاوزت الحد في الطول و أشط في السوم إذا جاوز القدر بالغلو فيه و الاعتزال التنحي عن الأمر و التعزل بمعناه قال:

{يا بيت عاتكة التي أتعزل --- حذر العدى و به الفؤاد موكل}

و سمي عمرو بن عبيد و أصحابه معتزلة لما اعتزلوا حلقة الحسن.

الإعراب

كسر « إنهم فتية » على الاستئناف.

« إذ قاموا » يتعلق بربطنا أي في الوقت الذي قاموا فيه و « شططا » منصوب على المصدر.

المعنى لقد قلنا قولا شططا و « ما يعبدون » في موضع نصب عطفا على الهاء و الميم في اعتزلتموهم و المراد الأصنام التي يعبدونها من دون الله و يجوز أن تكون ما مصدرية أي و عبادتهم إلا عبادة الله فحذف المضاف و الاستثناء على هذا من الهاء و الميم و إن جعلت ما موصولة كان الاستثناء من مفعول يعبدون استثناء منقطعا.

المعنى

ثم بين سبحانه قصة أصحاب الكهف فقال « نحن نقص عليك » أي نتلو عليك يا محمد « نبأهم » أي خبرهم « بالحق » أي بالصدق و الصحة « إنهم فتية » أي أحداث و شباب « آمنوا بربهم و زدناهم هدى » أي بصيرة في الدين و رغبة في الثبات عليه بالألطاف المقوية لدواعيهم إلى الإيمان و حكم لهم سبحانه بالفتوة لأن رأس الفتوة الإيمان و قيل الفتوة بذل الندى و ترك الأذى و ترك الشكوى عن مجاهد و قيل هي اجتناب المحارم و استعمال المكارم « و ربطنا على قلوبهم » أي شددنا عليها بالألطاف و الخواطر القوية للإيمان حتى وطنوا أنفسهم على إظهار الحق و الثبات على الدين و الصبر على المشاق و مفارقة الوطن « إذ قاموا » أي حين قاموا بين يدي ملكهم الجبار دقيانوس الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم « فقالوا » بين يديه « ربنا رب السماوات و الأرض » أي ربنا الذي نعبده خالق السماوات و الأرض « لن ندعوا من دونه إلها » أي لن نعبد إلها سواه معه « لقد قلنا إذا شططا » معناه إن دعونا مع الله إلها آخر فلقد قلنا إذا قولا مجاوزا للحق غاية في البطلان « هؤلاء قومنا » أي أهل بلدنا « اتخذوا من دونه » أي من دون الله « آلهة » يعبدونها « لو لا يأتون عليهم بسلطان بين » أي هلا يأتون على عبادتهم غير الله بحجة ظاهرة و في هذا ذم زجر للتقليد و إشارة إلى أنه لا يجوز أن يقبل دين إلا بحجة واضحة « فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا » فزعم أن له شريكا في العبادة « و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدون إلا الله » قال ابن عباس و هذا من قول تمليخا و هو رئيس أصحاب الكهف قال لهم فإذا فارقتموهم و تنحيتم عنهم جانبا يعني عبدة الأصنام و فارقتم ما يعبدون أي أصنامهم إلا الله فإنكم لن تتركوا عبادته و ذلك إن أولئك كانوا يشركون بالله و يجوز أنه كان فيهم من يعبد الله مع عبادة الأصنام فقال إذا اعتزلتم الأصنام و لم تعتزلوا الله و لا عبادته فيكون الاستثناء متصلا و يجوز أن يكون جميعهم كانوا يعبدون الأوثان من دون الله فيكون الاستثناء منقطعا

« فأووا إلى الكهف » أي صيروا إليه و اجعلوه مأواكم « ينشر لكم ربكم من رحمته » أي يبسط عليكم ربكم من نعمته « و يهيى‏ء لكم من أمركم مرفقا » أي و يسهل عليكم ما تخافون من الملك و ظلمه و يأتيكم باليسر و الرفق و اللطف عن ابن عباس و كلما ارتفقت فهو مرفق و قيل معناه و يصلح لكم من أمر معاشركم ما ترتفقون به و في هذا دلالة على عظم منزلة الهجرة في الدين و على قبح المقام في دار الكفر إذا كان لا يمكن المقام فيها إلا بإظهار كلمة الكفر و بالله التوفيق.