۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ١٠٣

التفسير يعرض الآيات ٩٩ إلى ١٠٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩ وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠ ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢ قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ تَرَكْنَا بَعْضهُمْ يَوْمَئذٍ يَمُوجُ فى بَعْضٍ وَ نُفِخَ فى الصورِ فجَمَعْنَهُمْ جمْعاً(99) وَ عَرَضنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئذٍ لِّلْكَفِرِينَ عَرْضاً(100) الَّذِينَ كانَت أَعْيُنهُمْ فى غِطاءٍ عَن ذِكْرِى وَ كانُوا لا يَستَطِيعُونَ سمْعاً(101) أَ فَحَسِب الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِى مِن دُونى أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ نُزُلاً(102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسرِينَ أَعْمَلاً(103) الَّذِينَ ضلَّ سعْيهُمْ فى الحَْيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يحْسبُونَ أَنهُمْ يحْسِنُونَ صنْعاً(104) أُولَئك الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَ لِقَائهِ فحَبِطت أَعْمَلُهُمْ فَلا نُقِيمُ لهَُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْناً(105) ذَلِك جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَ اتخَذُوا ءَايَتى وَ رُسلى هُزُواً(106)

القراءة

قرأ أبو بكر في رواية الأعشى و البرجمي عنه و زيد عن يعقوب أ فحسب الذين كفروا برفع الباء و سكون السين و هو قراءة أمير المؤمنين (عليه السلام) و ابن يعمر و الحسن و مجاهد و عكرمة و قتادة و الضحاك و ابن أبي ليلى و هذا من الأحرف التي اختارها أبو بكر و خالف عاصما فيها و ذكر أنه أدخلها في قراءة عاصم من قراءة أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى استخلص قراءته و قرأ الباقون « أ فحسب » بكسر السين و فتح الباء.

الحجة

قال ابن جني: معناه أ فحسب الكافرين و حظهم و مطلوبهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء بل يجب أن يعبدوا أنفسهم مثلهم فيكون كلهم عبيدا و أولياء لي و نحوه قوله تعالى و تلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل أي اتخذتهم عبيدا لك و هذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة أ فحسب الذين كفروا إلا أن حسب ساكنة السين أذهب في الذم لهم و ذلك لأنه جعله غاية مرادهم و مجموع مطلوبهم و ليست القراءة الأخرى كذلك.

اللغة

الترك التخلية و التريكة بيضة النعام كأنها تركت بالعراء و التريكة أيضا الروضة يغفلها الناس فلا يرعونها و الترك ضد الأخذ و الترك في الحقيقة لا يجوز على الله تعالى و إنما

يجوز على العاذر بعذره إلا أنه يتوسع فيه فيعبر فيه عن الإخلال بالشي‏ء بالترك و الموج اضطراب الماء بتراكب بعضه على بعض و النزل ما يهيا للنزيل و هو الضيف قال الشاعر:

{نزيل القوم أعظمهم حقوقا --- و حق الله في حق النزيل}

و طعام ذو نزل و نزل بفتح النون و الزاء أيضا ذو فضل.

الإعراب

« أن يتخذوا » في موضع نصب بوقوع حسب عليه و من قرأ فحسب بالرفع و سكون السين فأن يتخذوا في موضع رفع أعمالا منصوب على التمييز لأنه لما قال « بالأخسرين » كان مبهما لا يدل على ما خسروه فبين ذلك الخسران في أي نوع وقع و الذين يصلح أن يكون في موضع جر على الصفة للأخسرين و يصلح أن يكون في موضع رفع على الاستئناف أي هم الذين ضل سعيهم.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن حال تلك الأمم فقال « و تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض » أي و تركنا يأجوج و مأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم و يكون حالهم كحال الماء الذي يتموج باضطراب أمواجه و قيل إنه أراد سائر الخلق من الجن و الإنس أي و تركناهم يوم خروج يأجوج و مأجوج يختلطون بعضهم ببعض لأن ذلك علم للساعة ثم ذكر سبحانه نفخ الصور فقال « و نفخ في الصور » لأن خروج يأجوج و مأجوج من أشراط الساعة و اختلف في الصور فقيل هو قرن ينفخ فيه عن ابن عباس و ابن عمر و قيل هو جمع صورة فإن الله سبحانه يصور الخلق في القبور كما صورهم في أرحام الأمهات ثم ينفخ فيهم الأرواح كما نفخ و هم في أرحام أمهاتهم عن الحسن و أبي عبيدة و قيل إنه ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات فالنفخة الأولى نفخة الفزع و الثانية نفخة الصعق التي يصعق من في السماوات و الأرض بها فيموتون و الثالثة نفخة القيام لرب العالمين فيحشر الناس بها من قبورهم « فجمعناهم جمعا » أي حشرنا الخلق يوم القيامة كلهم في صعيد واحد « و عرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا » أي أظهرنا جهنم و أبرزناها لهم حتى شاهدوها و رأوا ألوان عذابها قبل دخولها ثم وصف الكافرين فقال « الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري » ذكر سبحانه السبب الذي استحقوا به النار يعني الذين غفلوا عن الاعتبار بقدرتي الموجب لذكري و أعرضوا عن التفكر في آياتي و دلائلي فصاروا بمنزلة من يكون في عينه غطاء يمنعه من الإدراك « و كانوا لا يستطيعون سمعا » أي و كان يثقل عليهم سماع القرآن و ذكر الله تعالى كما يقال فلان لا يستطيع النظر إليك و لا يستطيع أن يسمع كلامك أي يثقل عليه ذلك و أراد بالعين هنا عين القلب كما يضاف العمى إلى القلب « أ فحسب الذين

كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء » معناه أ فحسب الذين جحدوا توحيد الله أن يتخذوا من دوني أربابا ينصرونهم و يدفعون عقابي عنهم و المراد بالعباد المسيح و الملائكة الذين عبدوهم من دون الله و هم براء منهم و من كل مشرك بالله تعالى و قيل معناه أ فحسب الذين كفروا أن يتخذوا من دوني آلهة و أنا لا أغضب لنفسي عليهم و لا أعاقبهم عن ابن عباس و يدل على هذا المحذوف قوله « إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا » أي منزلا عن الزجاج و هو معنى قول ابن عباس يريد هي مثواهم و مصيرهم و قيل معناه إنا جعلنا جهنم معدة مهياة للكافرين عندنا كما يهيا النزل للضيف « قل » يا محمد « هل ننبئكم » أي هل نخبركم « بالأخسرين أعمالا » أي بأخسر الناس أعمالا و المعنى بالقوم الذين هم أخسر الناس فيما عملوا و هم كفار أهل الكتاب اليهود و النصارى « الذين ضل سعيهم » أي بطل عملهم و اجتهادهم « في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا » أي يظنون أنهم بفعلهم محسنون و أن أفعالهم طاعة و قربة و روى العياشي بإسناده قال قام ابن الكواء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسأله عن أهل هذه الآية فقال أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم و ابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم و ما أهل النهر منهم ببعيد يعني الخوارج « أولئك الذين كفروا بآيات ربهم و لقائه فحبطت أعمالهم » أي جحدوا بحجج الله و بيناته و لقاء جزائه في الآخرة فبطلت و ضاعت أعمالهم التي عملوها لأنهم أوقعوها على خلاف الوجه الذي أمرهم الله به « فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا » أي لا قيمة لهم عندنا و لا كرامة و لا نعتد بهم بل نستخف بهم و نعاقبهم تقول العرب ما لفلان عندنا وزن أي قدر و منزلة و يوصف الجاهل بأنه لا وزن له لخفته بسرعة بطشه و قلة تثبته و روي في الصحيح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة « ذلك جزاؤهم جهنم » معناه الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم و خيبة قدرهم ثم ابتدأ سبحانه فقال جزاؤهم جهنم « بما كفروا و اتخذوا آياتي و رسلي هزوا » أي بكفرهم و اتخاذهم آياتي أي أدلتي الدالة على توحيدي يعني القرآن و رسلي هزوا أي مهزوءا به.