وفي سياق حكم الصيد في حال الإحرام يأتي الكلام حول ما جعله سبحانه حراماً من المكان والزمان ليهدي الناس في فترات معينة وأماكن معينة عن الخصام والإنتقام الذي يكدّر الحياة البشرية جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ سميت الكعبة كعبة لتربيعها وإنما قيل للمربّع كعبة لنتو زواه الأربع مقابل المدور، والكعب هو النتو والإرتفاع الْبَيْتَ الْحَرَامَ عطف بيان على الكعبة، وإنما جيء بهذا العطف لأنه كانت لدى الجاهليين كعبات متعددة وكانوا يحجّون إليها ويطوفون بها فهدّمها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسمى البيت الحرام لحرمته ولأنه يُحرم فيه القتال والصيد وغيرها قِيَامًا لِّلنَّاسِ مفعول ثان لـ (جَعَلَ)، أي جَعَلَ الله الكعبة لقيام الناس بأن تقوم أمورهم وتستقيم أحوالهم إقتصادياً وإجتماعياً وغيرهما كما ذُكر في فلسفة الحج -راجع كتاب (عبادات الإسلام) للمؤلف- وَ جعل الله الشَّهْرَ الْحَرَامَ قياماً للناس، فأشهر الحُرُم -وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب- تقوم أمور الناس وإجتماعهم، إذ يخفف عن كواهلهم عبأ الحروب والمخاصمات وتسبب الأمن والهدوء مما يروّج الإقتصاد ويهيّء الجو الملائم للتفاهم وغيرها، فالبيت الحرام أمن في المكان والشهر الحرام أمن في الزمان، وقد جعل سبحانه الأمن متعدّياً إلى خارج هذه الحدود فجعل وَالْهَدْيَ ، اي محترماً لا يُمسّ بسوء، وهو ما يهدي إلى الكعبة بإشعار أو تقليد وَالْقَلاَئِدَ جمع قلادة، أي ما تقلّدها -بعلاقة الحال والمحل-، أي جَعَلَ القلائد محترماً لا تُمسّ بسوء، والمراد بالقلائد أما الحيوان الذي يُقلّد أو الإنسان الذي يُحرِم فيقلّد نفسه، قالوا : كان يقلّد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحَرَم فلا يخاف، لا يُقال أنّ غير الهدي والقلائد أيضاً محترم لأنه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره أو بدون غيره فما هنا الإختصاص ؟ ، لأنّ الجواب ظاهر فإنّ الهدي لا يجوز أن يُمسّ وإن جاز مسّه لولا كونه هدياً بسبب الإقتصاص والإفلاس ونحوهما، كما إنه لا يجوز أن يتعدّى على المُحرِم بما يجوز التعدّي عليه في غير حال الإحرام، فلا يجوز أخذ المُحرِم وحبسه ولو كان بحق -إذ الواجب إتمام العمرة والحج لله- فكما لا يجوز لنفسه الإبطال لا يجوز لغيره الإبطال ذَلِكَ ، أي إنما جعل سبحانه هذه المحرّمات لِتَعْلَمُواْ أيها الناس أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ فإنه عالم بأحوال الإنسان وما يكتنفه من العداوات والشرور وأنه يحتاج إلى هدوء وسكينة في المكان وفي الزمان، وأنهم يحتاجون إلى ما يُقيم معاشهم ومعادهم ولذا جعل هذه المحرّمات للإستراحة والإستحمام، ولعلّ ذِكر (السماوات) إستطراداً، فإنّ ما ذُكر مرتبط بالأرض لكن لو ذُكرت وحدها لأوهم عدم علمه سبحانه بما في السماوات وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أحوال الإنسان والحيوان والأزمان والأماكن وغيرها .