كان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل خروجه الى الحديبية رأى في المنام أنه والمؤمنين معه دخلوا المسجد الحرام، فنقل رؤياه للمؤمنين، ولما قَبِلَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الصلح في الحديبية ولم يدخل المسجد الحرام، تسائل المؤمنون عن مدى صحة الرؤيا، وهل كانت أضغاث أحلام؟ وإذا كانت صادقة فلما لم تتحقق؟، وأجاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن الرؤيا صحيحة وأنهم يدخلون المسجد، ولكن ما ظنّه المسلمون من أن تحقق الرؤيا يكون في هذه السنة -سنة الحديبية- كان غير صحيح فـ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا فكان ما أراه الله في المنام صدق بِالْحَقِّ الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، والحق هو مطابقة الواقع للخبر، وقد يجتمعان للتأكيد، أو المراد أم ما أراه تعالى له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان صدقاً -يقع في المستقبل- متلبساً بـ "الحق"، أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، فأنتم أيها المؤمنون لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مؤكداً باللام ونون الثقيلة إِن شَاء اللَّهُ إنشاء الله أما كلمة تبرّك، فليس لها معنى الشرط، أو هي مثل لفظ "لعل" الذي يستعمله القرآن الحكيم المراد به أن الكلام محل "لعل" أو محل "إنشاء الله" وإن كان سبحانه لا يرجو شيئاً ولا شك له حتى يعلّق على المشيئة، فهو كإستعمال الأمر بقصد التهديد أو ما أشبه، وكذلك في كل إنشاء وإخبار، قد يُستعملان بقصد آخر، في حال كونهم آمِنِينَ عن محاربة الكفار لكم، وفي حال كونكم مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ من أظفاركم وغيرهما، والظاهر أن المراد أن قسماً محلّق وقسماً مقصّر لَا تَخَافُونَ بعد ذلك، فالآمن حين الدخول، وعدم الخوف بعد ذلك فَـ لمجرد الترتيب في الكلام عَلِمَ الله مَا لَمْ تَعْلَمُوا من كون المصلحة تأخير دخول المسجد الحرام، وقد تقدّم أن المصلحة ظهرت بعد ذلك فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ من قبل دخولكم المسجد الحرام فَتْحًا قَرِيبًا هو فتح خيبر، وبذلك قوي الإسلام واطمئن المسلمون بالنصر والغنائم، الى أن تيسّر وقت فتح مكة، تصديقاً لرؤى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).