ثم أشار القرآن الحكيم الى بعض الإحتياطات اللازمة على المجاهدين لئلا يقتلوا مسلماً خطأ، وذلك إثر وقوع حادثة وهي أن أسامة بن زيد وأصحابه بعثهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سريّة فلَقوا رجلاً قد انحاز بغنم له الى الجبل وكان قد أسلم فقال لهم : السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فَبَدَرَ إليه أسامة فقتله واستاقوا غَنَمَه فلما رجع الى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبره بذلك فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : "أفلا شققتَ الغطاء عن قلبه لا ما قال بلسانه قبلت ولا ما في نفسه علمت" ونزلت الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ، أي خرجتم للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام فإن الضرب بمعنى السفر لأن المسافر يضرب برجله الأرض فَتَبَيَّنُواْ ، أي ميّزوا بين الكافر والمؤمن ليكون أمركم واضحاً مبيناً ولا تفعلوا شيئاً بدون التثبّت والتبيّن والتّأني وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ ، أي حيّاكم بتحية الإسلام وأظهر لكم أنه مسلم واعتزلكم فلم يقاتلكم لَسْتَ مُؤْمِنًا حقيقة وإنما إيمانك صرف لقلقة لسان خوفاً من القتل تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، أي هل تطلبون الغنيمة والمال؟، حيث تنكرون إسلام مَن ألقى إليكم السلام فيكون الكلام على الإستفهام التوبيخي، أي لماذا تقتلون مُظهِر الإسلام لغنيمته الزائلة التي هي عرض الحياة الدنيا، أو إن الإستفهام ليس توبيخياً بل على ظاهره، أي إن كنتم تطلبون المال فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ جمع مغنم وهي الغنيمة ومغانمه في الدنيا بما ستحوزونه من الكفار وفي الآخرة، وقد فُسّرت الغنيمة في اللغة بأنها الفائدة كَذَلِكَ الذي ألقى إليكم السلام كُنتُم مِّن قَبْلُ فإنكم كنتم كفاراً كما كان هو كذلك فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ بأن هداكم للإيمان فكما لم يصح لأحد أن يقول أن إيمانكم عن خوف كذلك لم يصح لكم أن تقولوا أن إيمان من ألقى إليكم السلام عن خوف، وإذا علمتم خطأكم في هذه المرة فَتَبَيَّنُواْ من بعد، وقد كرّر اللفظ تأكيداً، ولأنه يقع الكلام موقع القبول بعد قيام الحجّة، فكان "تبيّنوا" في الأول مجرد أمر و"تبيّنوا" هنا بعد الدليل والبرهان على لزوم التبيّن عقلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فهو يعلم أعمالكم وبواعثها فراقبوا الله في كل عمل تقومون به.