۞ الآية
فتح في المصحفوَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨
۞ تقريب القرآن إلى الأذهان
التفسير يعرض الآية ٥٨
۞ الآية
فتح في المصحفوَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨
۞ التفسير
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ) أي ليس أحد أكثر ظلما من مثل هذا الشخص ، الذي يذكّر بآيات الله ، بأن يذكره النبي بالأدلة على وجود الله وعلمه وقدرته (فَأَعْرَضَ عَنْها) ولم ينتفع بها ، و «من أظلم» إضافي لا حقيقي ، ككثير من أمثاله المستعملة في القرآن الحكيم ، فإن البلاغة تقتضي ملاحظة الظروف المحيطة والملابسات ، في النفي وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ____________________________________ والإثبات والحصر وما أشبه ، فإذا سأل أحد الطلاب ، هل في المدينة أحد؟ أراد من الطلاب ، وإذا سأل التاجر من زميله ، هل هناك شيء؟ أراد التجارة ، وإذا قال الإنسان لا دولة أقوى من الدولة الفلانية ، أراد من الدول المعاصرة ، وهكذا إذا قال أحد لا أشقى من هذا الرجل «في قصة قتل وقعت ، مثلا» أراد في هذه القصة ، وهكذا مثله كثير في القرآن مثل (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) (1) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (2) (وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) (3) إلى غير ذلك (وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ) أي نسي المعاصي التي صدرت منه ، وكأنه قدمها لآخرته ، وإنما نسبت إلى اليد ، لأن اليد هي العضو العامل في البدن كثيرا ، وإلا فالمعاصي تصدر من جميع الأعضاء ، فذلك بعلاقة الجزء والكل ، كاستعمال الرقبة ، وإرادة الإنسان ، والتذكير باعتبار أن في فطرة الإنسان دلالات على الصانع ، فالأنبياء يذكرون الإنسان ، كما أن النسيان يراد به عدم المبالاة وإن كان ذاكرا لها ، والإنسان إذا استمرأ المعاصي ، تكون ملكة له ، حتى إن قلبه لا يستعد لقبول الحق ، كأنه في غشاء ، وحتى إن أذنه لا تستعد لاستماع الحق ، كأن فيها وقرا ، وهذا ينسب إليه سبحانه ، لأنه خلق الإنسان هكذا ، بحيث أنه إذا تمادى في شيء صار ملكة له ، ولأنه تعالى يترك الإنسان ، حتى يتردى ، فلا يجبره على الإطاعة والإيمان ، (إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) أي قلوب هؤلاء الكفار (أَكِنَّةً) وهي جمع كنان بمعنى __________________ (1) البقرة : 48. (2) البقرة : 115. (3) آل عمران : 43. أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58) ____________________________________ الغشاء (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي كراهة أن يفهموا القرآن ، بعد ما أعرضوا عن الحق (وَفِي آذانِهِمْ) جعلنا (وَقْراً) أي ثقلا ، تشبيه بالذي في أذنه صمم ، حيث لا يسمع أصلا (وَإِنْ تَدْعُهُمْ) يا رسول الله (إِلَى الْهُدى) لأن يهتدوا ويسلكوا السبيل الصحيح (فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً) أي حين تمادوا في الغي حتى جعل على قلوبهم أكنة ، وفي آذانهم وقرا (أَبَداً) وعدم اهتدائهم ليس بالجبر ، وإنما بالاختيار ، أي إنهم ما داموا كذلك لا يهتدون.