۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الرعد، آية ٣٧

التفسير يعرض الآية ٣٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وإذ يفرغ القرآن الحكيم من الكفار والمشركين ، ويبين أحوال المؤمنين والمتقين يعطف نحو أهل الكتاب وموقفهم من الرسول والقرآن (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي أعطيناهم الكتاب السماوي ، كالتوراة والإنجيل ، (يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) يا رسول الله ، فإن أهل الكتاب المستقيمين الذين لم يعصب عينهم الحقد والحسد ، والتقليد الأعمى ، لا بد وأن يفرحوا بهذا الكتاب الذي يجدونه يصدقهم ، ويأخذ بأيديهم في مقابل الكفار والمشركين ، فإن الإنسان يفرح بناصره ومعاضده ، ومن المعلوم أن نسبة الأشياء الحسنة إلى قوم ، إنما يراد بها النسبة إلى عقلائهم ومفكريهم ومستقيمي الرأي منهم ، فإنك إذا قلت أن المسلمين صادقون في أقوالهم موفون لعهودهم ، لا تريد أن جميع أفرادهم كذلك ، وإنما تريد المستقيمين منهم في الإسلام ، وكذلك أمثال هذه النسبة ، وقد كان في أصحاب النبي زمرة من خيرة اليهود والنصارى ، الذين اتبعوه ، لما رأوا فيه الحق والصدق ، لكن من تحزّب ضد الرسول من أهل الكتاب ، لا بد وأن يخالفوا الكتاب ، فإنهم بطبيعتهم الحزبية ، لا بد وأن يتلقوا الأوامر من كبرائهم الحاسدين وقد كان شأن الأحزاب هكذا قديما وحديثا فإنهم حيث يدخلون أنفسهم في إطار طاعة الحزب لا بد لهم أن يتمثلوا ما يقوله الحزب حقا أم باطلا ، وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا ____________________________________ ويحاربوا من يخالف الحزب حقا كان أم باطلا ، فالمعيار الحق عندهم ينقلب إلى معيار الحزب ، ولذا نرى أن الله سبحانه لم يسلم أزمة الأمور إلا بيد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة المعصومين عليهم‌السلام ، ثم بيد الفقيه العادل ، حيث علم سبحانه ، بأن الناس يتبعون من ألقى الزمام بيده ، ولو أمر بالباطل ، فتحفظا عن اتباع الناس للباطل ، لم يجعل أزمتهم إلا بيد من لا يعمل إلا بالحق لما فيه من الملكة الراسخة ، والصفة النفسية المعدلة لسلوكه ، طبق أوامر الله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلا فيما سهى أو نسي ، مما لا استثناء له ، إلا بالنسبة إلى المعصوم عليه‌السلام ـ (وَمِنَ الْأَحْزابِ) الذين تحزّبوا ضد الإسلام ، من أهل الكتاب (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) أي بعض القرآن ، مما لا يطابق كتبهم المنحرفة أو ينافي سيادتهم ورشوتهم ، أما ما طابق الكتابين ، فلا مجال لهم بإنكاره (قُلْ) يا رسول الله ، لمن ينكر بعض ما أنزل إليك (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ) وحده (وَلا أُشْرِكَ بِهِ) غيره ، فإنكاركم لذلك ، كما تزعمون أن عيسى أو عزير ابني الله ، أو أن الآلهة ثلاثة ، لا يضرّني في توحيدي وتنزيهي (إِلَيْهِ) أي إلى الله وحده (أَدْعُوا) فهو مبدئي (وَإِلَيْهِ مَآبِ) أي مرجعي ، من آب بمعنى رجع.