۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة هود، آية ٤١

التفسير يعرض الآية ٤١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا) «حتى» غاية لحال نوح وحال قومه ، أي بقي نوح يصنع السفينة وبقي القوم على كفرهم يستهزئون منه ، حتى حين مجيء أمرنا بإهلاكهم ونجاة المؤمنين (وَفارَ التَّنُّورُ) بالماء ، فقد كان فوران التنور بالماء علامة لوقت العذاب كي يحمل نوح عليه‌السلام في السفينة المؤمنين (قُلْنَا) أي أوحينا إلى نوح عليه‌السلام : (احْمِلْ فِيها) في السفينة (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) من كل أجناس الحيوانات زوجين ذكر وأنثى ، يطلق «الزوج» على الذكر كما يطلق على الأنثى ، وقد يطلق على الاثنين معا ، فيقال لهما «زوج» ، ولما كان يحتمل في الآية إرادة المعنى الأخير حتى يكون اللازم حمل أربعة من كل جنس ، بيّن «الزوجين» بأن المراد بهما فرد وفرد ، فيصير الحاصل اثنين لا أكثر. (وَ) احمل في السفينة (أَهْلَكَ) عائلتك ، زوجتك وأولادك __________________ (1) البقرة : 195. (2) البقرة : 16. إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) ____________________________________ (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) من تقدم حوله قولنا بأنه من الهالكين من عائلتك وهي زوجة نوح عليه‌السلام واسمها واغلة ، وكانت أما لكنعان الولد الذي هلك بالغرق ، فقد كان لنوح عليه‌السلام زوجتان وأولاد كلهم صالحون إلا هذه المرأة وابنها (وَ) احمل في السفينة (مَنْ آمَنَ) وهم بين ثمانية وثمانين ، كما في الأحاديث ، ولذا قال سبحانه : (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) وقد ورد أن نوحا عليه‌السلام نادى الحيوانات فأجابته واجتمعت حوله فأركبها في السفينة ، وذلك ليس على الله بعزيز. ومن غريب الأمر أن بعض المسلمين الذين فقدوا ثقتهم بنفوسهم أمام الغرب يأوّلون جميع المعاجز مهما تمكنوا ويجعلونها أمورا عادية وقصصا خارجية لا مسحة عليها من الغيب والإعجاز ، وإذا لم يلائم شيء مع هذه الطريقة سمّوه ب «الإسرائيليات» ولم ذلك؟ لأنه معجز خارج عن نطاق مفاهيم الماديين الغربيين. ففي قصتنا مثلا ، يقول : سفينة نوح سفينة عادية صنعت ، و «الوحي حولها» هو الإلهام في القلب كما يلهم قلب كل متعلم بالعلم ، و «حمل نوح عدة حيوانات» مما يملكه نوح من الحيوانات ، وكان الموسم فيضانا والمطر وابل فغرق بعض الناس الذين كانوا في تلك المناطق ، وسلم نوح وقومه المؤمنون. وهكذا يحرّفون كل خارقة إلى رماد وتراب بعد ما كانت خارقة تأخذ بالأنفس وتدل على رسالة الأنبياء ، فإذا لم يكن في القرآن فهو خرافة وإسرائيليات ، مهما بلغ سنده من الصحة والثبات ، أما إذا كان ____________________________________ في القرآن فباب التأويل واسع ، ف ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (1) يراد به انشقاق بعض الأقمار التي دل العلم على وجودها سابقا ثم صارت منشقة بصورة هائلة أي : ابتعاد الأنجم بعضها عن بعض. و ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) (2) كانت أسراب طير معها «ميكروب» الوباء فلما اختلطت بالناس ، عدى المرض إليهم فماتوا بالوباء ، وما أشبه هذه التأويلات .. وهكذا هلمّ جرا. حتى أن بعضهم ـ وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ، طبعا ـ ذكر أن المراد ب «الإله» القوة المسيّرة للكون أو الطاقة المحركة للحياة ، و «المعاد» هو حساب التاريخ للإنسان ، و «الجنة» ذكره الطيب المنبعث عن أعماله الحسنة ، و «النار» ذكره السيئ المنبعث عن أعماله القبيحة .. فلنتساءل : أي فرق بينكم أيها المؤمنون! وبين الماديين؟ وهل أحد ينكر الطاقة ومحاسبة التاريخ والذكر الحسن والسيئ؟ وإذا سألت هؤلاء المنهزمين ، ماذا تصنعون بالنصوص والتصريحات؟ أجابوا بأنها على سبيل الكناية والمجاز ، حسب فهم العرب المخاطبين .. نقول : إن المؤمن هو من يؤمن بكل نص ، أما أن يكون الإنسان ماديا قلبا ، مسلما صورة فليس ذاك إلا النفاق ، والانهزام أمام بريق الغرب المادي .. ومثل هذه الانهزامية في العقائد ، والانهزامية في الأحكام ، كمن يقول إن الإسلام جمهوري لقوله تعالى في قصة بلقيس : (فَما ذا تَأْمُرُونَ) (3)؟ ، أو برلماني ، لقوله تعالى : (وَأَمْرُهُمْ __________________ (1) القمر : 2. (2) الفيل : 4 و 5. (3) الأعراف : 111. وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ____________________________________ شُورى) (1) ، أو اشتراكي ، لقوله : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) (2) ، أو ربوي لقوله : (لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً) (3) ، مما يفهم منه جواز أكله بدون أن يصبح أضعافا ، وهكذا .. مما هم بالهوس أقرب منهم إلى الإسلام. وقد رأينا أن معيار هؤلاء هو الغرب فما ذكره فهم تبع له ، فإن وافق الإسلام فهو ، وإلا فاللازم أن يطبق الإسلام عليه ، يا للهراء والسخف!!