۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأعلى، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣ وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥ سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨ فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١ ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥ بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧ إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٨ صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ سبِّح اسمَ رَبِّك الأَعْلى (1) الّذِى خَلَقَ فَسوّى (2) وَ الّذِى قَدّرَ فَهَدَى (3) وَ الّذِى أَخْرَجَ المَْرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سنُقْرِئُك فَلا تَنسى (6) إِلا مَا شاءَ اللّهُ إِنّهُ يَعْلَمُ الجَْهْرَ وَ مَا يخْفَى (7) وَ نُيَسرُك لِلْيُسرَى (8) فَذَكِّرْ إِن نّفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سيَذّكّرُ مَن يخْشى (10) وَ يَتَجَنّبهَا الأَشقَى (11) الّذِى يَصلى النّارَ الْكُبرَى (12) ثمّ لا يَمُوت فِيهَا وَ لا يحْيى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكى (14) وَ ذَكَرَ اسمَ رَبِّهِ فَصلى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوةَ الدّنْيَا (16) وَ الاَخِرَةُ خَيرٌ وَ أَبْقَى (17) إِنّ هَذَا لَفِى الصحُفِ الأُولى (18) صحُفِ إِبْرَهِيمَ وَ مُوسى (19)

القراءة

قرأ الكسائي قدر بالتخفيف و هو قراءة علي (عليه السلام) و الباقون «قدر» بالتشديد و قرأ أبو عمرو و روح و زيد و قتيبة يؤثرون بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

قد تقدم أن قدر في معنى قدر فكلا الوجهين حسن و تؤثرون بالتاء على الخطاب بل أنتم تؤثرون و الياء على أنه يريد الأشقين و روي أن ابن مسعود و الحسن قرءاه.

اللغة

الأعلى نظير الأكبر و معناه العالي بسلطانه و قدرته و كل من دونه في سلطانه و لا يقتضي ذلك المكان قال الفرزدق:

{إن الذي سمك السماء بنى لنا --- بيتا دعائمه أعز و أطول}

و الغثاء ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش و النبات و أصله الأخلاط من أجناس شتى و العرب تسمي القوم إذا اجتمعوا من قبائل شتى أخلاطا و غثاء و الأحوى الأسود و الحوة السواد قال ذو الرمة:

{لمياء في شفتيها حوة لعس --- وفي اللثات و في أنيابها شنب}

و قال:

{قرحاء حوء أشراطية و كفت --- فيها الذهاب و حفتها البراعيم}

و الإقراء أخذ القراءة على القارىء بالاستماع لتقويم الزلل و القارىء التالي و أصله الجمع لأنه يجمع الحروف و النسيان ذهاب المعنى عن النفس و نظيره السهو و نقيضه الذكر و هو ذهاب العلم الضروري بما جرت به العادة أن يعلمه و ليس بمعنى و قال أبو علي الجبائي و هو معنى من فعل الله تعالى.

الإعراب

الأعلى يحتمل أن يكون جرا صفة لرب و أن يكون نصبا صفة لاسم أحوى نصب على الحال من المرعى و التقدير أخرج المرعى أحوى أي أسود لشدة خضرته «فجعله غثاء» أي جففه حتى صار جافا كالغثاء و يجوز أن يكون نعتا لغثاء و التقدير فجعله غثاء أسود و الأول أوجه و هو قول الزجاج.

«ما شاء الله» في موضع نصب على الاستثناء و التقدير سنقرئك القرآن فلا تنساه إلا ما شاء الله أن تنساه برفع حكمه و تلاوته و هو قول الحسن و قتادة «إن نفعت الذكرى» شرط جزاؤه محذوف يدل عليه قوله «فذكر» و التقدير إن نفعت الذكرى فذكرهم.

المعنى

«سبح اسم ربك الأعلى» أي قل سبحان ربي الأعلى عن ابن عباس و قتادة و قيل معناه نزه ربك عن كل ما لا يليق به من الصفات المذمومة و الأفعال القبيحة لأن التسبيح هو التنزيه لله عما لا يليق به يجوز أن تقول لا إله إلا هو فتنفي ما لا يجوز في صفته من شريك في عبادته مع الإقرار بأنه الواحد في إلهيته و أراد بالاسم المسمى و قيل إنه ذكر الاسم و المراد به تعظيم المسمى كما قال لبيد

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما و يحسن بالقارىء إذا قرأ هذه الآية أن يقول سبحان ربي الأعلى و إن كان في الصلاة قال الباقر (عليه السلام) إذا قرأت «سبح اسم ربك الأعلى» فقل سبحان ربي الأعلى و إن كان فيما بينك و بين نفسك و الأعلى معناه القادر الذي لا قادر أقدر منه القاهر لكل أحد و قيل الأعلى صفة الاسم و المعنى سبح الله بذكر اسمه الأعلى و أسماؤه الحسنى كلها أعلى و قيل معناه صل باسم ربك الأعلى عن ابن عباس «الذي خلق» الخلق «فسوى» بينهم في باب الأحكام و الإتقان و قيل خلق

كل ذي روح فسوى يديه و عينيه و رجليه عن الكلبي و قيل خلق الإنسان فعدل قامته عن الزجاج يعني أنه لم يجعله منكوسا كالبهائم و الدواب و قيل خلق الأشياء على موجب إرادته و حكمته فسوى صنعها لتشهد على وحدانيته «و الذي قدر فهدى» أي قدر الخلق على ما خلقهم فيه من الصور و الهيئات و أجرى لهم أسباب معايشهم من الأرزاق و الأقوات ثم هداهم إلى دينه بمعرفة توحيده بإظهار الدلالات و البينات و قيل معناه قدر أقواتهم و هداهم لطلبها و قيل قدرهم على ما اقتضته حكمته فهدى أي أرشد كل حيوان إلى ما فيه منفعته و مضرته حتى أنه سبحانه هدى الطفل إلى ثدي أمه و هدى الفرخ حتى طلب الزق من أبيه و أمه و الدواب و الطيور حتى فزع كل منهم إلى أمه و طلب الميمنة من جهته سبحانه و تعالى و قيل قدرهم ذكورا و إناثا و هدى الذكر كيف يأتي الأنثى عن مقاتل و الكلبي و قيل هدى إلى سبيل الخير و الشر عن مجاهد و قيل قدر الولد في البطن تسعة أشهر أو أقل أو أكثر و هدى للخروج منه للتمام عن السدي و قيل قدر المنافع في الأشياء و هدي الإنسان لاستخراجها منه فجعل بعضها غذاء و بعضها دواء و بعضها سما و هدى إلى ما يحتاج إلى استخراجها من الجبال و المعادن كيف تستخرج و كيف تستعمل «و الذي أخرج المرعى» أي أنبت الحشيش من الأرض لمنافع جميع الحيوان و أقواتهم «فجعله» بعد الخضرة «غثاء» أي هشيما جافا كالغثاء الذي تراه فوق السيل «أحوى» أي أسود بعد الخضرة و ذلك أن الكلأ إذا يبس اسود و قيل معناه أخرج العشب و ما ترعاه النعم أحوى أي شديد الخضرة يضرب إلى السواد من شدة خضرته فجعله غثاء أي يابسا بعد ما كان رطبا و هو قوت البهائم في الحالين فسبحان من دبر هذا التدبير و قدر هذا التقدير و قيل إنه مثل ضربه الله تعالى لذهاب الدنيا بعد نضارتها «سنقرئك فلا تنسى» أي سنأخذ عليك قراءة القرآن فلا تنسى ذلك و قيل معناه سيقرأ عليك جبريل القرآن بأمرنا فتحفظه و لا تنساه قال ابن عباس كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه جبرائيل (عليه السلام) بالوحي يقرأه مخافة أن ينساه فكان لا يفرغ جبرائيل (عليه السلام) من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا «إلا ما شاء الله» أن ينسيكه بنسخه من رفع حكمه و تلاوته عن الحسن و قتادة و على هذا فالإنشاء نوع من النسخ و قد مر بيانه في سورة البقرة عند قوله ما ننسخ من آية أو ننسها الآية و قيل معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرأه و قيل إلا ما شاء الله كالاستثناء في الإيمان و إن لم يقع منه مشيئة النسيان قال الفراء لم يشأ الله أن ينسي عليه السلم شيئا فهو كقوله خالدين فيها ما دامت السماوات

و الأرض إلا ما شاء ربك و لا يشاء و كقول القائل لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت و إلا أن أشاء أن أمنعك و النية أن لا يمنعه و مثله الاستثناء في الإيمان ففي الآية بيان لفضيلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و إخبار أنه مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) أميا كان يحفظ القرآن و إن جبرائيل (عليه السلام) كان يقرأ عليه سورة طويلة فيحفظه بمرة واحدة ثم لا ينساه و هذه دلالة على الإعجاز الدال على نبوته.

«إنه يعلم الجهر و ما يخفى» معناه إن الله سبحانه يعلم العلانية و السر.

###

و الجهر رفع الصوت و نقيضه الهمس و المعنى أنه سبحانه يحفظ عليك ما جهرت به و ما أخفيته مما تريد أن تعيه «و نيسرك لليسرى» اليسرى هي الفعلى من اليسر و هو سهولة عمل الخير و المعنى نوفقك للشريعة اليسرى و هي الحنيفية و نهون عليك الوحي و نسهله حتى تحفظه و لا تنساه و تعمل به و لا تخالفه و قيل معناه نسهل لك من الألطاف و التأييد ما يثبتك على أمرك و يسهل عليك المستصعب من تبليغ الرسالة و الصبر عليه عن أبي مسلم و هذا أحسن ما قيل فيه فإنه يتصل بقوله «سنقرئك فلا تنسى» فكأنه سبحانه أمره بالتبليغ و وعده النصر و أمره بالصبر و قيل إن اليسرى عبادة عن الجنة فهي اليسرى الكبرى أي نيسر لك دخول الجنة عن الجبائي «فذكر» أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر الخلق و يعظهم «إن نفعت الذكرى» و إنما قال ذلك و ذكراه تنفع لا محالة في عمل الإيمان و الامتناع من العصيان لأنه ليس بشرط حقيقة و إنما هو إخبار عن أنه ينفع لا محالة في زيادة الطاعة و الانتهاء عن المعصية كما يقال سله إن نفع السؤال و قيل معناه عظهم إن نفعت الموعظة أو لم تنفع لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث للإعذار و الإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع و لم يذكر الحالة الثانية كقوله سرابيل تقيكم الحر و سرابيل تقيكم بأسكم و قد نبه الله سبحانه على تفصيل الحالتين بقوله «سيذكر من يخشى» أي سيتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى و يخاف عقابه «و يتجنبها» أي يتجنب الذكرى و الموعظة «الأشقى» أي أشقى العصاة فإن للعاصين درجات في الشقاوة فأعظمهم درجة فيها الذي كفر بالله و توحيده و عبد غيره و قيل الأشقى من الاثنين من يخشى و من يتجنب عن أبي مسلم «الذي يصلى النار الكبرى» أي يلزم أكبر النيران و هي نار جهنم و النار الصغرى نار الدنيا عن الحسن و قيل إن النار الكبرى هي الطبقة السفلى من جهنم عن الفراء «ثم لا يموت فيها» فيستريح «و لا يحيى» حياة ينتفع بها بل صارت حياته وبالا عليه يتمنى زوالها لما هو معها من فنون العقاب و ألوان العذاب و قيل و لا يحيى أي و لا يجد روح الحياة «قد أفلح من تزكى» أي قد فاز من تطهر من الشرك و قال لا إله إلا الله عن عطاء و عكرمة و قيل معناه قد ظفر بالبغية من صار زاكيا بالأعمال الصالحة و الورع عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل زكى أي أعطى زكاة ماله عن ابن مسعود و كان يقول قد رحم الله امرأ تصدق ثم صلى و يقرأ هذه

الآية و قيل أراد صدقة الفطرة و صلاة العيد عن أبي عمرو و أبي العالية و عكرمة و ابن سيرين و روي ذلك مرفوعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) و متى قيل على هذا القول كيف يصح ذلك و السورة مكية و لم يكن هناك صلاة عيد و لا زكاة و لا فطرة قلنا يحتمل إن يكون نزلت أوائلها بمكة و ختمت بالمدينة «و ذكر اسم ربه فصلى» أي وحد الله عن ابن عباس و قيل ذكر الله بقلبه عند صلاته فرجا ثوابه و خاف عقابه فإن الخشوع في الصلاة بحسب الخوف و الرجاء و قيل ذكر اسم ربه بلسانه عند دخوله في الصلاة فصلى بذلك الاسم أي قال الله أكبر لأن الصلاة لا تنعقد إلا به و قيل هو أن يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم و يصلي الصلوات الخمس المكتوبة ثم قال سبحانه مخاطبا للكفار «بل تؤثرون» أي تختارون «الحياة الدنيا» على الآخرة فتعملون لها و تعمرونها و لا تتفكرون في أمر الآخرة و قيل هو عام في المؤمن و الكافر بناء على الأعم الأغلب في أمر الناس قال عبد الله بن مسعود إن الدنيا اخضرت لنا و عجل لنا طعامها و شرابها و نساؤها و لذتها و بهجتها و إن الآخرة نعتت لنا و زويت عنا فأخذنا بالعاجل و تركنا الآجل ثم رغب سبحانه في الآخرة فقال «و الآخرة» أي و الدار الآخرة و هي الجنة «خير» أي أفضل «و أبقى» و أدوم من الدنيا و في الحديث من أحب آخرته أضر بدنياه و من أحب دنياه أضر بآخرته «إن هذا لفي الصحف الأولى» يعني أن هذا الذي ذكر من قوله «قد أفلح» إلى أربع آيات لفي الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن ذكر فيها فلاح المصلي و المتزكي و إيثار الخلق الدنيا على الآخرة و إن الآخرة خير و قيل معناه أن من تزكى و ذكر اسم ربه فصلى فهو ممدوح في الصحف الأولى كما هو ممدوح في القرآن ثم بين سبحانه أن الصحف الأولى ما هي فقال «صحف إبراهيم و موسى» و في هذا دلالة على أن إبراهيم كان قد أنزل عليه الكتاب خلافا لمن يزعم أنه لم ينزل عليه كتاب و واحدة الصحف صحيفة و روي عن أبي ذر أنه قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء فقال مائة ألف نبي و أربعة و عشرون ألفا قلت يا رسول الله كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة و ثلاثة عشر و بقيتهم أنبياء قلت كان آدم (عليه السلام) نبيا قال نعم كلمة الله و خلقه بيده يا أبا ذر أربعة الأنبياء عرب هود و صالح و شعيب و نبيك قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب قال مائة و أربعة كتب أنزل الله منها على آدم (عليه السلام) عشر صحف و على شيث خمسين صحيفة و على أخنوخ و هو إدريس ثلاثين صحيفة و هو أول من خط بالقلم و على إبراهيم عشر صحائف و التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و في الحديث أنه كان في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه و قيل إن كتب الله كلها أنزلت في شهر رمضان.