۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الطارق، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ١ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٢ ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ ٣ إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ ٤ فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ ٦ يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ٧ إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨ يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ ٩ فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ ١٠ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ ١١ وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ ١٢ إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ ١٣ وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ ١٤ إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدٗا ١٥ وَأَكِيدُ كَيۡدٗا ١٦ فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا ١٧

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ السمَاءِ وَ الطارِقِ (1) وَ مَا أَدْرَاك مَا الطارِقُ (2) النّجْمُ الثّاقِب (3) إِن كلّ نَفْسٍ لمّّا عَلَيهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنظرِ الانسنُ مِمّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مّاءٍ دَافِقٍ (6) يخْرُجُ مِن بَينِ الصلْبِ وَ الترَائبِ (7) إِنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلى السرَائرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَ لا نَاصِرٍ (10) وَ السمَاءِ ذَاتِ الرّجْع (11) وَ الأَرْضِ ذَاتِ الصدْع (12) إِنّهُ لَقَوْلٌ فَصلٌ (13) وَ مَا هُوَ بِالهَْزْلِ (14) إِنهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَ أَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدَا (17)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و عاصم و حمزة لما عليها بتشديد الميم و الباقون بالتخفيف و في الشواذ قراءة ابن عباس مهلهم رويدا بغير ألف.

الحجة

قال أبو علي من خفف لما كانت إن عنده المخففة من الثقيلة و اللام معها هي اللام التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من أن النافية و ما صلة كالتي في قوله «فبما رحمة من الله» و «عما قليل» و تكون إن متلقية للقسم كما تتلقاه مثقلة و من ثقل لما كانت أن عنده النافية كالتي في قوله «فيما إن مكناكم فيه» و لما في معنى إلا و هي متلقية للقسم كما يتلقاه ما قال أبو الحسن الثقيلة في معنى إلا و العرب لا تكاد تعرف ذا و قال الكسائي لا أعرف وجه التثقيل و عن ابن عوف قال قرأت عند ابن سيرين «إن كل نفس لما» بالتشديد فأنكره قال الزجاج استعملت لما في موضع إلا في موضعين ( أحدهما ) هذا و الآخر في باب القسم تقول سألتك لما فعلتك بمعنى إلا فعلت.

اللغة

طرقني فلان إذا أتاني ليلا و أصل الطرق الدق و منه المطرقة لأنها يدق بها و الطريق لأن المارة تدقه و الطارق الآتي ليلا يحتاج إلى الدق للتنبيه و نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطرق الرجل أهله ليلا حتى تستحد المغيبة و تمشط الشعثة و قالت هند بنت عتبة

{نحن بنات طارق --- نمشي على النمارق}

تريد أن أبانا نجم في شرفه و علوه و قال الشاعر:

{يا راقد الليل مسرورا بأوله --- إن الحوادث قد يطرقن أسحارا} {لا تأمنن بليل طاب أوله --- فرب آخر ليل أجج النارا}

و النجم الكواكب الطالعة في السماء يقال لكل طالع ناجم تشبيها به نجم النبت و نجم السن و القرن و الثاقب المضيء النير و ثقوبة توقده بنوره و الثاقب العالي الشديد العلو و الدفق صب الماء الكثير باعتماد قوي و مثله الدفع فالماء الذي يكون منه الولد يكون دافقا و هو القاطر المصب و هي النطفة التي يخلق الله منها الولد و قيل ماء دافق معناه مدفوق و مثله سر كاتم و عيشة راضية و الترائب نواحي الصدر واحدتها تريبة و هو مأخوذ من تذليل حركتها كالتراب قال المثقب:

{ومن ذهب يسن على تريب --- كلون العاج ليس بذي غضون}

و قال آخر:

{و الزعفران على ترائبها --- شرقا به اللبات و الصدر و الرجع}

أصله من الرجوع و هو الماء الكثير تزدده الرياح تمر عليه قال المنخل في صفة السيف:

{أبيض كالرجع رسوب إذا --- ما ثاخ في محتفل يختلي}

قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء و يرجع و يتكرر و الصدع الشق فصدع الأرض انشقاقها بالنبات و ضروب الزروع و الأشجار.

الإعراب

«ما الطارق» ما استفهام و الجملة مبتدأ و خبر و هي معلقة بإدراك في موضع المفعول الثاني و الثالث و قوله «يوم تبلى السرائر» العامل فيه فعل مضمر يدل عليه قوله «على رجعه لقادر» و التقدير يرجعه يوم إبلاء السرائر و لا يجوز أن يعمل فيه المصدر لأنه يكون من صلته و قد فرق بينه و بينه بقوله «لقادر» و يجوز أن يكون العامل فيه قوله «لقادر» و رويدا صفة لمصدر محذوف و تقديره إمهالا رويدا.

المعنى

أقسم الله سبحانه فقال «و السماء» أي بالسماء و قيل برب السماء و قد بينا القول في ذلك «و الطارق» و هو الذي يجيء ليلا «و ما أدريك ما الطارق» و ذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلا و لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدري ما المراد لو لم يبينه ثم بينه بقوله «النجم الثاقب» أي هو الكوكب المضيء و يريد به العموم و هو جماع النجوم عن الحسن و قيل هو زحل و الثاقب العالي على النجوم عن ابن زيد و قيل أراد به الثريا و العرب تسميه النجم و قيل هو القمر لأنه يطلع بالليل عن الفراء و جواب القسم قوله «إن كل نفس لما عليها حافظ» أي ما كل نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها و قولها و فعلها و يحصي ما يكتسبه من خير و شر و من قرأ لما بالتخفيف فالمعنى إن كل نفس

لعليها حافظ يحفظها و قال قتادة حافظ من الملائكة يحفظ عملها و رزقها و أجلها ثم نبه سبحانه على البعث بقوله «فلينظر الإنسان» يعني المكذب بالبعث عن مقاتل «مم خلق» أي فلينظر نظر التفكر و الاستدلال من أي شيء خلقه الله و كيف خلقه و أنشأه حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته ثم ذكر من أي شيء خلقه فقال «خلق من ماء دافق» أي من ماء مهراق في رحم المرأة يعني المني الذي يكون منه الولد عن ابن عباس قال الفراء و أهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم نحو سر كاتم و هم ناصب و ليل نائم و قد ذكرناه قبل ثم وصف سبحانه ذلك الماء فقال «يخرج من بين الصلب و الترائب» و هو موضع القلادة من الصدر عن ابن عباس قال عطاء يريد صلب الرجل و ترائب المرأة و الولد لا يكون إلا من الماءين و قيل الترائب اليدان و الرجلان و العينان عن الضحاك و سئل عكرمة عن الترائب فقال هذه و وضع يده على صدره بين ثدييه و قيل ما بين المنكبين و الصدر عن مجاهد و المشهور في كلام العرب أنها عظام الصدر و النحر «إنه على رجعه لقادر» يعني أن الذي خلقه ابتداء من هذا الماء يقدر على أن يرجعه حيا بعد الموت عن الحسن و قتادة و الجبائي و قيل معناه أنه تعالى على رد الماء في الصلب لقادر عن عكرمة و مجاهد و قيل إنه على رد الإنسان ماء كما كان قادر عن الضحاك و قال مقاتل بن حيان يقول إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب و من الشباب إلى الصبي و من الصبي إلى النطفة و الأصح القول الأول لقوله «يوم تبلى السرائر» أي أنه قادر على بعثه يوم القيامة و معنى الرجع رد الشيء إلى أول حاله و السرائر أعمال بني آدم و الفرائض التي أوجبت عليه و هي سرائر بين الله و العبد و تبلى أي تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرها و مؤديها من مضيعها روي ذلك مرفوعا عن أبي الدرداء قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضمن الله خلقه أربع خصال الصلاة و الزكاة و صوم رمضان و الغسل من الجنابة و هي السرائر التي قال الله «يوم تبلى السرائر» و عن معاذ بن جبل قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد في الآخرة فقال سرائركم هي أعمالكم من الصلاة و الصيام و الزكاة و الوضوء و الغسل من الجنابة و كل مفروض لأن الأعمال كلها سرائر خفية فإن شاء قال الرجل صليت و لم يصل و إن شاء قال توضأت و لم يتوضأ فذلك قوله «يوم تبلى السرائر» و قيل يظهر الله أعمال كل أحد لأهل القيامة حتى يعلموا على أي شيء أثابه و يكون فيه زيادة سرور له و إن يكن من أهل العقوبة يظهر عمله ليعلموا على أي شيء عاقبه و يكون ذلك زيادة غم له و السرائر ما أسره من خير أو شر و ما أضمره من إيمان أو كفر و روي عن عبد الله بن عمر أنه قال يبدي الله يوم القيامة كل سر و يكون زينا في الوجوه و شينا في الوجوه «فما له» أي فما لهذا الإنسان المنكر للبعث و الحشر «من قوة»

يمتنع به من عذاب الله «و لا ناصر» ينصره من الله و القوة هي القدرة ثم ذكر سبحانه قسما آخر تأكيدا لأمر القيامة فقال «و السماء ذات الرجع» أي ذات المطر عن أكثر المفسرين و قيل يعني بالرجع شمسها و قمرها و نجومها تغيب ثم تطلع عن ابن زيد و قيل رجع السماء إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان فترجع بالغيث و أرزاق العباد و غير ذلك «و الأرض ذات الصدع» تتصدع بالنبات أي تنشق فيخرج منها النبات و الأشجار «إنه لقول فصل» هذا جواب القسم يعني أن القرآن يفصل بين الحق و الباطل بالبيان عن كل واحد منهما و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) و قيل معناه إن الوعد بالبعث و الإحياء بعد الموت قول فصل أي مقطوع به لا خلاف و لا ريب فيه «و ما هو بالهزل» أي هو الجد و ليس باللعب و قيل إن القرآن لم ينزل باللعب ثم أخبر سبحانه عن مشركي قريش فقال «إنهم يكيدون كيدا» أي يحتالون في الإيقاع بك و بمن معك و يريدون إطفاء نورك «و أكيد كيدا» أي أريد أمرا آخر على ضد ما يريدون و أدبر ما ينقض تدابيرهم و مكايدهم فسمى ذلك كيدا من حيث يخفى ذلك عليهم «فمهل الكافرين» أي انتظر بهم يا محمد و لا تعاجلهم و ارض بتدبير الله فيهم «أمهلهم رويدا» أي إمهالا قليلا عن قتادة و إنما قلل الإمهال لأن ما هو كائن آت لا محالة فهو قليل و المراد به يوم القيامة و قيل أراد يوم بدر و المعنى لا تعجل علي في طلب هلاكهم بل اصبر عليهم قليلا فإن الله مجزيهم لا محالة إما بالقتل و الذل في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة قال ابن جني قوله «فمهل الكافرين أمهلهم» غير اللفظ لأنه أثر التأكيد و كره التكرير فلما تجشم إعادة اللفظ انحرف عنه بعض الانحراف بتغييره المثال و انتقل عن لفظ فعل إلى لفظ افعل فقال «أمهلهم» و لما تجشم التثليث جاء بالمعنى و ترك اللفظ البتة فقال «رويدا».