۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة البروج، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٢٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢ وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣ قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥ إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧ وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١ إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ١٤ ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٦ هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ١٧ فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٢٠ بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١ فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ ٢٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ السمَاءِ ذَاتِ الْبرُوج (1) وَ الْيَوْمِ المَْوْعُودِ (2) وَ شاهِدٍ وَ مَشهُودٍ (3) قُتِلَ أَصحَب الأُخْدُودِ (4) النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (6) وَ هُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شهُودٌ (7) وَ مَا نَقَمُوا مِنهُمْ إِلا أَن يُؤْمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الحَْمِيدِ (8) الّذِى لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ اللّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ شهِيدٌ (9) إِنّ الّذِينَ فَتَنُوا المُْؤْمِنِينَ وَ المُْؤْمِنَتِ ثمّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَاب جَهَنّمَ وَ لهَُمْ عَذَاب الحَْرِيقِ (10) إِنّ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لهَُمْ جَنّتٌ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ ذَلِك الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنّ بَطش رَبِّك لَشدِيدٌ (12) إِنّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ (13) وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ المَْجِيدُ (15) فَعّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاك حَدِيث الجُْنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ (18) بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا فى تَكْذِيبٍ (19) وَ اللّهُ مِن وَرَائهِم محِيط (20) بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مجِيدٌ (21) فى لَوْحٍ محْفُوظِ (22)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و قتيبة المجيد بالجر و الباقون بالرفع و قرأ نافع في لوح محفوظ بالرفع و الباقون بالجر.

الحجة

قال أبو علي من رفع المجيد كان متبعا قوله «ذو العرش» و من جر فمن النحويين من جعله وصفا لقوله «ربك» في «إن بطش ربك» قال و لا أجعله وصفا للعرش و منهم من قال صفة للعرش قال أبو زيد يقال مجدت الإبل تمجد مجودا إذا رعت في أرض مكلئة و شبعت و أمجدت الإبل إذا أشبعتها و قالوا في كل شجر نار و استمجد المرخ و العفار أي صار ماجدا في إيرائه النار و قيل استمجد العفار إذا كثر ناره و صفت و حجة نافع في قراءته محفوظ أن القرآن وصف بالحفظ في قوله «و إنا له لحافظون» و معنى حفظ القرآن أنه يؤمن من تحريفه و تبديله و تغييره فلا يلحقه شيء من ذلك و حجة من جر محفوظا جعله وصفا للوح فإنهم يقولون اللوح المحفوظ.

اللغة

الأخدود الشق العظيم في الأرض و منه ما روي في معجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه دعا الشجرة فجعلت تخد الأرض خدا حتى أتته و منه الخد لمجاري الدموع و تخدد لحمه إذا صار

فيه طرائق كالشقوق و الوقود ما تشتعل به النار من الحطب و غيره بفتح الواو و الوقود بالضم الإيقاد يقال فتنت الشيء أحرقته و الفتين حجارة سود كأنها محرقة و أصل الفتنة الامتحان ثم يستعمل في العذاب.

الإعراب

قال الفراء «قتل أصحاب الأخدود» جواب القسم كما كان جواب و الشمس و ضحاها قد أفلح من زكاها و قيل إن جواب القسم محذوف و تقديره أن الأمر حق في الجزاء على الأعمال و قيل جواب القسم قوله «إن الذين فتنوا المؤمنين» الآية و قيل جواب القسم قوله «إن بطش ربك لشديد» النار بدل من الأخدود و هو بدل الاشتمال لأن الأخدود يشتمل على ما فيه من النار أي النار منه و «ذات الوقود» صفة للنار و يسأل على هذا فيقال كيف خصت هذه النار بذا و كل نار لها وقود و أجيب عنها بجوابين ( أحدهما ) أنه قد يكون نار ليست بذات وقود كنار الحجر و نار الكبد ( و الآخر ) إن الوقود معرف فصار مخصوصا كأنه وقود بعينه كما قال وقودها الناس و الحجارة فكان الوقود هنا أبدان الناس، إذ هم عليها قعود إذ مضاف إلى الجملة و هي ظرف لقوله «قتل أصحاب الأخدود» إذا كان إخبارا لا دعاء و «أن يؤمنوا» في موضع نصب بقوله «نقموا» و التقدير و ما نقموا إلا إيمانهم «فرعون و ثمود» في موضع جر بدل من الجنود و يجوز أن يكونا في موضع نصب بإضمار فعل كأنه قال أعني فرعون و ثمود.

قصة أصحاب الأخدود

روى مسلم في الصحيح عن هدية بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر فلما مرض الساحر قال إني قد حضر أجلي فادفع إلي غلاما أعلمه السحر فدفع إليه غلاما و كان يختلف إليه و بين الساحر و الملك راهب فمر الغلام بالراهب فأعجبه كلامه و أمره فكان يطيل عنده القعود فإذا أبطأ عن الساحر ضربه و إذا أبطأ عن أهله ضربوه فشكا ذلك إلى الراهب فقال يا بني إذا استبطأك الساحر فقل حبسني أهلي و إذا استبطأك أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو ذات يوم إذا بالناس قد حبستهم دابة عظيمة فظيعة فقال اليوم أعلم أمر الساحر أفضل أم أمر الراهب فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة فرمى فقتلها و مضى الناس فأخبر بذلك الراهب فقال أي بني إنك ستبتلى و إذا ابتليت فلا تدل علي قال و جعل يداوي الناس فيبرىء الأكمه و الأبرص فبينما هو كذلك إذ عمي جليس للملك فأتاه و حمل إليه مالا كثيرا فقال اشفني و لك ما هاهنا فقال إني لا أشفي أحدا و لكن الله يشفي فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك قال فآمن فدعا الله له فشفاه فذهب

###

فجلس إلى الملك فقال يا فلان من شفاك قال ربي قال أنا قال لا ربي و ربك الله قال أ و إن لك ربا غيري قال نعم ربي و ربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دله على الغلام فبعث إلى الغلام فقال لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه و الأبرص قال ما أشفي أحدا و لكن الله ربي يشفي قال أ و إن لك ربا غيري قال نعم ربي و ربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دله على الراهب فوضع المنشار عليه فنشره حتى وقع شقين و قال للغلام ارجع عن دينك فأبى فأرسل معه نفرا و قال اصعدوا به جبل كذا و كذا فإن رجع عن دينه و إلا فدهدهوه منه قال فعلوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت قال فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون و جاء إلى الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله فأرسل به مرة أخرى قال انطلقوا به فلججوه في البحر فإن رجع و إلا فغرقوه فانطلقوا به في قرقور فلما توسطوا به البحر قال اللهم اكفنيهم بما شئت قال فانكفأت بهم السفينة و جاء حتى قام بين يدي الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله ثم قال إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به أجمع الناس ثم اصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضعه على كبد القوس ثم قل باسم رب الغلام فإنك ستقتلني قال فجمع الناس و صلبه ثم أخذ سهما من كنانته فوضعه على كبد القوس و قال باسم رب الغلام و رمى فوقع السهم في صدغه و مات فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل له أ رأيت ما كنت تخاف قد نزل و الله بك آمن الناس فأمر بالأخدود فخددت على أفواه السكك ثم أضرمها نارا فقال من رجع عن دينه فدعوه و من أبى فأقحموه فيها فجعلوا يقتحمونها و جاءت امرأة بابن لها فقال لها يا أمه اصبري فإنك على الحق و قال ابن المسيب كنا عند عمر بن الخطاب إذ ورد عليه أنهم احتفروا فوجدوا ذلك الغلام و هو واضع يده على صدغه فكلما مدت يده عادت إلى صدغه فكتب عمر واروه حيث وجدتموه و روى سعيد بن جبير قال لما انهزم أهل اسفندهان قال عمر بن الخطاب ما هم يهود و لا نصارى و لا لهم كتاب و كانوا مجوسا فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام) بل قد كان لهم كتاب و لكنه رفع و ذلك أن ملكا لهم سكر فوقع على ابنته أو قال على أخته فلما أفاق قال لها كيف المخرج مما وقعت فيه قالت تجمع أهل مملكتك و تخبرهم أنك ترى نكاح البنات و تأمرهم أن يحلوه فجمعهم فأخبرهم فأبوا أن يتابعوه فخد لهم أخدودا في الأرض و أوقد فيه النيران و عرضهم عليها فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار و من أجاب خلى سبيله و قال الحسن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ذكر أمامه أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء و روى العياشي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أرسل علي (عليه السلام) إلى أسقف

نجران يسأله عن أصحاب الأخدود فأخبره بشيء فقال (عليه السلام) ليس كما ذكرت و لكن سأخبرك عنهم إن الله بعث رجلا حبشيا نبيا و هم حبشة فكذبوه فقاتلهم فقتلوا أصحابه و أسروه و أسروا أصحابه ثم بنوا له حيرا ثم ملأوه نارا ثم جمعوا الناس فقالوا من كان على ديننا و أمرنا فليعتزل و من كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار معه فجعل أصحابه يتهافتون في النار فجاءت امرأة معها صبي لها ابن شهر فلما هجمت على النار هابت و رقت على ابنها فناداها الصبي لا تهابي و ارمي بي و بنفسك في النار فإن هذا و الله في الله قليل فرمت بنفسها في النار و صبيها و كان ممن تكلم في المهد و بإسناده عن ميثم التمار قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذكر أصحاب الأخدود فقال كانوا عشرة و على مثالهم عشرة يقتلون في هذا السوق و قال مقاتل كان أصحاب الأخدود ثلاثة واحد بنجران و الآخر بالشام و الآخر بفارس حرقوا بالنار أما الذي بالشام فهو أنطياخوس الرومي و أما الذي بفارس فهو بخت نصر و أما الذي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس فأما من كان بفارس و الشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا و أنزل في الذي كان بنجران و ذلك أن رجلين مسلمين ممن يقرءون الإنجيل ( أحدهما ) بأرض تهامة ( و الآخر ) بنجران اليمن أجر أحدهما نفسه في عمل يعمله فجعل يقرأ الإنجيل فرأت ابنة المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت لأبيها فرمق حتى رآه فسأله فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره بالدين و الإسلام فتابعه مع سبعة و ثمانين إنسانا من رجل و امرأة و هذا بعد ما رفع عيسى إلى السماء فسمع يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبع الحميري فخد لهم في الأرض و أوقد فيها فعرضهم على الكفر فمن أبى قذفه في النار و من رجع عن دين عيسى لم يقذف فيها و إذا امرأة جاءت و معها ولد صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت فقال لها يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفى فلما سمعت من ابنها ذلك قذفها في النار فجعلها الله و ابنها في الجنة و قذف في النار سبعة و سبعون إنسانا قال ابن عباس من أبى أن يقع في النار ضرب بالسياط فأدخل الله أرواحهم في الجنة قبل أن تصل أجسامهم إلى النار.

###

المعنى

إن الله سبحانه أقسم بالسماء فقال «و السماء ذات البروج» فالبروج المنازل العالية و المراد هنا منازل الشمس و القمر و الكواكب و هي اثنا عشر برجا يسير القمر في كل برج منها يومين و ثلاث و تسير الشمس في كل برج شهرا «و اليوم الموعود» يعني

يوم القيامة في قول جميع المفسرين و هو اليوم الذي يجازى فيه الخلائق و يفصل فيه القضاء «و شاهد و مشهود» فيه أقوال ( أحدها ) إن الشاهد يوم الجمعة و المشهود يوم عرفة عن ابن عباس و قتادة و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و روي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و سمي يوم الجمعة شاهدا لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه و في الحديث ما طلعت الشمس على يوم و لا غربت على يوم أفضل منه و فيه ساعة لا يوافقها من يدعو فيها الله بخير إلا استحباب له و لا استعاذ من شر إلا أعاذه منه و يوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج و تشهده الملائكة ( و ثانيها ) أن الشاهد يوم النحر و المشهود يوم عرفة عن إبراهيم ( و ثالثها ) أن الشاهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و المشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية أخرى و سعيد بن المسيب و هو المروي عن الحسن بن علي و روي أن رجلا دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا رجل يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال فسألته عن الشاهد و مشهود فقال نعم الشاهد يوم الجمعة و المشهود يوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألته عن ذلك فقال أما الشاهد فيوم الجمعة و أما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كان وجهه الدينار و هو يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت أخبرني عن شاهد و مشهود فقال أما الشاهد فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و أما المشهود فيوم القيامة أ ما سمعته سبحانه يقول «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا» و قال «ذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود» فسألت عن الأول فقالوا ابن عباس و سألت عن الثاني فقالوا ابن عمر و سألت عن الثالث فقالوا الحسن بن علي (عليهما السلام) ( و رابعها ) أن الشاهد يوم عرفة و المشهود يوم القيامة و عن أبي الدرداء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة و إن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها قال فقلت و بعد الموت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق ( و خامسها ) إن الشاهد الملك يشهد على بني آدم و المشهود يوم القيامة عن عكرمة و تلا هاتين الآيتين و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد و ذلك يوم مشهود و قد قيل في ذلك أقوال أخر كقول الجبائي الشاهد الذين يشهدون على الناس و المشهود هم الذين يشهد عليهم و قول الحسين بن الفضل الشاهد هذه الأمة و المشهود سائر الأمم لقوله «لتكونوا شهداء على الناس» و قيل الشاهد أعضاء بني آدم و المشهود هم لقوله «يوم تشهد عليهم ألسنتهم» الآية و قيل الشاهد الحجر الأسود و المشهود الحاج و قيل الشاهد الأيام و الليالي و المشهود بنو آدم و ينشد للحسين بن علي (عليهما السلام):

{مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا --- وخلفت في يوم عليك شهيد} {فإن أنت بالأمس اقترفت إساءة --- فقيد بإحسان و أنت حميد} {ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد --- لعل غدا يأتي و أنت فقيد}

و قيل الشاهد الأنبياء و المشهود محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانه «و إذ أخذ الله ميثاق النبيين» إلى قوله «فاشهدوا و أنا معكم من الشاهدين» و قيل الشاهد الله و المشهود لا إله إلا الله بيانه قوله «شهد الله أنه لا إله إلا هو» الآية و قيل الشاهد الخلق و المشهود الحق و إليه أشار الشاعر بقوله:

{أيا عجبا كيف يعصي الإله --- أم كيف يجحده الجاحد} {ولله في كل تحريكة --- و في كل تسكينة شاهد} {وفي كل شيء له آية --- تدل على أنه واحد}

فهذه ثمانية أقوال أخر «قتل أصحاب الأخدود» أي لعنوا بتحريقهم الناس في الدنيا قبل الآخرة و المراد به الكافرون الذين حفروا الأخدود و عذبوا المؤمنين بالنار و يحتمل أن يكون إخبارا عن المسلمين الذين عذبوا بالنار في الأخدود و المعنى أنهم قتلوا بالإحراق في النار ذكرهم الله سبحانه و أثنى عليهم بحسن بصيرتهم و صبرهم على دينهم حتى أحرقوا بالنار لا يعطون التقية بالرجوع عن الإيمان «النار ذات الوقود» أي أصحاب النار الذين أوقدوها بإحراق المؤمنين و قوله «ذات الوقود» إشارة إلى كثرة حطب هذه النار و تعظيم لأمرها فإن النار لا تخلو عن وقود «إذ هم عليها قعود» يعني الكفار إذ هم على أطراف هذه النار جلوس يعذبون المؤمنون عن ابن عباس و قيل يعني هم عندها قعود يعرضونهم على الكفر عن مقاتل قال مجاهد كانوا قعودا على الكراسي عند الأخدود و هو قوله «و هم» يعني الملك و أصحابه الذين خدوا الأخدود «على ما يفعلون بالمؤمنين» من عرضهم على النار و إرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم «شهود» أي حضور قال الزجاج أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم و حقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله و قال الربيع بن أنس لما ألقوا في النار نجى الله المؤمنين بأن أخذ أرواحهم قبل أن تمسهم النار و خرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم و قيل أنهم كانوا فرقتين فرقة تعذب المؤمنين و فرقة تشاهد الحال لم يتولوا تعذيبهم لكنهم قعود رضوا بفعل أولئك و كانت الفرقة القاعدة مؤمنة لكنهم لم ينكروا على الكفار صنيعهم فلعنهم الله جميعا عن أبي مسلم و القعود جمع القاعد و كذلك الشهود جمع الشاهد و هم كل حاضر على ما شاهدوه إما بسمع أو بصر «و ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله» أي ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا عن ابن عباس و قيل ما أنكروا عليهم دينا و ما عابوا منهم شيئا إلا إيمانهم و هذا كقوله «هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله»

عن الزجاج و مقاتل و قال الجبائي ما فعلوا بهم ذلك العذاب إلا بإيمانهم «العزيز» القادر الذي لا يمتنع عليه شيء القاهر الذي لا يقهر «الحميد» المحمود في جميع أفعاله «الذي له ملك السماوات و الأرض» أي له التصرف في السماوات و الأرض لا اعتراض لأحد عليه «و الله على كل شيء شهيد» أي شاهد عليهم لم يخف عليه فعلهم بالمؤمنين فإنه يجازيهم و ينتصف للمؤمنين منهم «إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات» أي الذين أحرقوهم و عذبوهم بالنار عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و مثله يوم هم على النار يفتنون «ثم لم يتوبوا» من فعلهم ذلك و من الشرك الذي كانوا عليه و إنما شرط عدم التوبة لأنهم لو تابوا لما توجه إليهم الوعيد «فلهم عذاب جهنم» بكفرهم «و لهم عذاب الحريق» بما أحرقوا المؤمنين يسأل فيقال كيف فصل بين عذاب جهنم و عذاب الحريف و هما واحد.

###

أجيب عن ذلك بأن المراد لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق مثل الزقوم و الغسلين و المقامع و لهم مع ذلك الإحراق بالنار و قيل لهم عذاب جهنم في الآخرة و لهم عذاب الحريق في الدنيا و ذلك أن النار ارتفعت من الأخدود فأحرقتهم عن الربيع بن أنس و هو قول الكلبي و قال الفراء ارتفعت النار عليهم فأحرقتهم فوق الأخاديد و نجا المؤمنون ثم ذكر سبحانه ما أعده للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال «إن الذين آمنوا» أي صدقوا بتوحيد الله «و عملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير» النجاة العظيم و النفع الخالص و إنما وصفه بالكبير لأن نعيم العاملين كبير بالإضافة إلى نعيم من لا عمل له من داخلي الجنة لما في ذلك من الإجلال و الإكرام و التبجيل و الإعظام ثم قال سبحانه متوعدا للكفار و العصاة «إن بطش ربك» يا محمد «لشديد» يعني أن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة و الجبابرة أليم شديد و إذا وصف البطش و هو الأخذ عنفا بالشدة فقد تضاعف مكروهه و تزايد إيلامه «إنه هو يبديء» الخلق يخلقهم أولا في الدنيا «و يعيد» هم أحياء بعد الموت للحساب و الجزاء فليس إمهاله لمن يعصيه لإهماله إياه و قيل أنه يبديء بالعذاب في الدنيا و يعيده في الآخرة عن ابن عباس و ذلك لأن ما قبله يقتضيه «و هو الغفور» لذنوب المؤمنين من أهل طاعته و معناه كثير الغفران عادته مغفرة الذنوب «الودود» يود أولياءه و يحبهم عن مجاهد قال الأزهري في تفسير أسماء الله يجوز أن يكون ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب و حلوب و معناه أن عباده الصالحين يودونه و يحبونه لما عرفوا من فضله و كرمه و لما أسبغ من آلائه و نعمه قال و كلتا الصفتين مدح لأنه سبحانه أن أحب عباده المطيعين فهو فضل منه و أن أحبوه فلما عرفوه من فضله و إحسانه «ذو العرش المجيد» أكثر القراءة في المجيد الرفع لأن الله سبحانه هو الموصوف بالمجد و لأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله

تعالى و إن سمع الماجد و من كسر المجيد جعله من صفة العرش و روي عن ابن عباس أنه قال يريد العرش و حسنه و يؤيده أن العرش وصف بالكرم في قوله «رب العرش الكريم» فجاز أيضا أن يوصف بالمجد لأن معناه الكمال و العلو و الرفعة و العرش أكمل كل شيء و أعلاه و أجمعه لصفات الحسن «فعال لما يريد» لا يعجزه شيء طلبه و لا يمتنع منه شيء أراده عن عطاء و قيل لما يريد من الإبداء و الإعادة ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال «هل أتيك حديث الجنود» الذين تجندوا على أنبياء الله أي هل بلغك أخبارهم و قيل أراد قد أتاك ثم بين سبحانه أصحاب الجنود فقال «فرعون و ثمود» و المعنى تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر كيف كذبوا أنبياء الله و كيف نزل بهم العذاب و كيف صبر الأنبياء و كيف نصروا فاصبر كما صبر أولئك ليأتيك النصر كما أتاهم و هذا من الإيجاز البديع و التلويح الفصيح الذي لا يقوم مقامه التصريح «بل الذين كفروا» يعني مشركي قريش «في تكذيب» لك و القرآن قد أعرضوا عما يوجبه الاعتبار و أقبلوا على ما يوجبه الكفر و الطغيان «و الله من ورائهم محيط» معناه أنهم في قبضة الله و سلطانه لا يفوتونه كالمحاصر المحاط به من جوانبه لا يمكنه الفوات و الهرب و هذا من بلاغة القرآن «بل هو قرآن مجيد» أي كريم لأنه كلام الرب عن ابن عباس أي ليس هو كما يقولون من أنه شعر أو كهانة و سحر بل هو قرآن كريم عظيم الكرم فيما يعطي من الخير جليل الخطر و القدر و قيل هو قرآن كريم لما يعطي من المعاني الجليلة و الدلائل النفيسة و لأن جميعه حكم و الحكم على ثلاثة أوجه لا رابع لها معنى يعمل عليه فيما يخشى أو يتقي و موعظة تلين القلب للعمل بالحق و حجة تؤدي إلى تميز الحق من الباطل في علم دين أو دنيا و علم الدين أشرفهما و جميع ذلك موجود في القرآن «في لوح محفوظ» من التغيير و التبديل و النقصان و الزيادة و هذا على قراءة من رفعه فجعله من صفة قرآن و من جره فجعله صفة للوح فالمعنى أنه محفوظ لا يطلع عليه غير فجعله من صفة قرآن و من جره فجعله صفة للوح فالمعنى أنه محفوظ لا يطلع عليه غير الملائكة و قيل محفوظ عند الله و هو أم الكتاب و منه نسخ القرآن و الكتب و هو الذي يعرف باللوح المحفوظ و هو من درة بيضاء طوله ما بين السماء و الأرض و عرضه ما بين المشرق و المغرب عن ابن عباس و مجاهد و قيل إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في جبهة إسرافيل عن أنس و قيل اللوح المحفوظ عن يمين العرش عن مقاتل.