۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التكوير، آية ٢٦

التفسير يعرض الآيات ١٥ إلى ٢٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ ١٥ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ ١٦ وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ ١٧ وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨ إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥ فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ ٢٦ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَلا أُقْسِمُ بِالخُْنّسِ (15) الجَْوَارِ الْكُنّسِ (16) وَ الّيْلِ إِذَا عَسعَس (17) وَ الصبْح إِذَا تَنَفّس (18) إِنّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَرِيمٍ (19) ذِى قُوّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مّطاعٍ ثمّ أَمِينٍ (21) وَ مَا صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ (22) وَ لَقَدْ رَءَاهُ بِالأُفُقِ المُْبِينِ (23) وَ مَا هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِضنِينٍ (24) وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شيْطنٍ رّجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ (27) لِمَن شاءَ مِنكُمْ أَن يَستَقِيمَ (28) وَ مَا تَشاءُونَ إِلا أَن يَشاءَ اللّهُ رَب الْعَلَمِينَ (29)

القراءة

قرأ أهل البصرة غير سهل و ابن كثير و الكسائي بظنين بالظاء و الباقون «بضنين» بالضاد.

الحجة

الظنين المتهم من قولهم ظننت أي اتهمت لا من ظننت المتعدي إلى مفعولين إذ لو كانت منه لكان لا بد من ذكر المفعول الثاني و في أنه لم يذكر المفعول الآخر دلالة على أنه من ظننت بمعنى اتهمت و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرف بالأمين و بذلك وصفه أبو طالب في قوله:

{إن ابن آمنة الأمين محمدا --- عندي بمثل منازل الأولاد}

و من قرأ «بضنين» فهو من البخل و المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه و لا يكتمه كما يمتنع الكاهن من إعلام ذلك حتى يأخذ عليه حلوانا.

اللغة

الخنس جمع خانس و الكنس جمع كانس و أصلهما الستر و الشيطان خناس لأنه يخنس إذا ذكر الله تعالى أي يذهب و يستتر و كناس الطير و الوحش بيت يتخذه و يختفي فيه و الكواكب تكنس في بروجها كالظباء تدخل في كناسها و عسعس الليل إذا أقبل من أوله و أظلم و عسعس إذا أدبر و هو من الأضداد قال علقمة بن قرط:

{حتى إذا الصبح لها تنفسا --- و إنجاب عنها ليلها و عسعسا}

والعس طلب الشيء بالليل و منه أخذ العسس و يقال عسعس الليل و سعسع.

الإعراب

«إنه لقول رسول كريم» جواب القسم ثم وصف الرسول بأوصاف إلى قوله «أمين» ثم قال «و ما صاحبكم بمجنون» و هو معطوف على جواب القسم و كذلك ما بعده و قوله «فأين تذهبون» اعتراض قال الفراء تقول العرب إلى أين تذهب و أين تذهب و تقولون ذهبت الشام و خرجت الشام و انطلقت السوق سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة و أنشد الفراء:

{تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا --- وأي الأرض تذهب للصياح}

يريد إلى أي الأرض و لم يحك سيبويه من هذا إلا ذهبت الشام و على هذا جاء «فأين تذهبون» و المعنى فإلى أين تذهبون و قوله «إن هو إلا ذكر للعالمين» جواب القسم أيضا و قوله «و ما تشاءون» داخل في جواب القسم أيضا و قوله «لمن شاء منكم» بدل من قوله «للعالمين» بدل البعض من الكل فإذا السورة كلها مركبة من فعل و فاعل و من قسم و أجوبة.

المعنى

ثم أكد سبحانه ما تقدم بالقسم فقال «فلا أقسم» أي فأقسم و لا زائدة

و قد ذكرنا اختلاف العلماء فيه عند قوله «لا أقسم بيوم القيامة» «بالخنس» و هي النجوم تخنس بالنهار و تبدو بالليل و «الجوار» صفة لها لأنها تجري في أفلاكها «الكنس» من صفتها أيضا لأنها تكنس أي تتوارى في بروجها كما تتوارى الظباء في كناسها و هي خمسة أنجم زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد عن علي (عليه السلام) و قيل معناه أنها تخنس بالنهار فتختفي و لا ترى و تكنس في وقت غروبها فهذا خنوسها و كنوسها و قيل هي بقر الوحش عن ابن مسعود و قيل هي الظباء عن ابن جبير «و الليل إذا عسعس» أي إذا أدبر بظلامه عن علي (عليه السلام) و ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل أقبل بظلامه عن الحسن و قيل أظلم عن الجبائي «و الصبح إذا تنفس» أي إذا أسفر و أضاء و المعنى امتد ضوءه حتى يصير نهارا «إنه لقول رسول كريم» هذا جواب القسم أي أن القرآن قول رسول كريم على ربه و هو جبرائيل و هو كلام الله تعالى أنزله على لسانه أي سمعه محمد من جبرائيل و لم يقله من قبل نفسه عن الحسن و قتادة و قيل إنما أضافه إلى جبرائيل لأن الله تعالى قال لجبرائيل ائت محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و قل له كذا ثم وصف جبرائيل (عليه السلام) فقال «ذي قوة» أي فيما كلف و أمر به من العلم و العمل و تبليغ الرسالة و قيل ذي قدرة في نفسه و من قوته قلعه ديار قوم لوط بقوادم جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها «عند ذي العرش مكين» معناه متمكن عند الله صاحب العرش و خالقه رفيع المنزلة عظيم القدر عنده كما يقال فلان مكين عند السلطان و المكانة القرب «مطاع ثم» أي في السماء تطيعه ملائكة السماء قالوا و من طاعة الملائكة لجبرائيل أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتح لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أبوابها فدخلها و رأى ما فيها و أمر خازن النار ففتح له عنها حتى نظر إليها «أمين» أي على وحي الله و رسالاته إلى أنبيائه و في الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل (عليه السلام) ما أحسن ما أثنى عليك ربك «ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين» فما كانت قوتك و ما كانت أمانتك فقال أما قوتي فإني بعثت إلى مداين لوط و هي أربع مداين في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج و نباح الكلاب ثم هويت بهن فقلبتهن و أما أمانتي فإني لم أومر بشيء فعدوته إلى غيره ثم خاطب سبحانه جماعة الكفار فقال «و ما صاحبكم» الذي يدعوكم إلى الله و إخلاص طاعته «بمجنون» و المجنون المغطى على عقله حتى لا يدرك الأمور على ما هي عليه للآفة الغامرة له و بغمور الآفة يتميز من النائم لأن النوم ليس بآفة و هذا أيضا من جواب القسم أقسم الله عز اسمه أن القرآن نزل به جبرائيل و أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس على ما يرميه به أهل مكة من الجنون «و لقد رآه بالأفق المبين» أي رأي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرائيل (عليه السلام) على صورته التي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس و هو

الأفق الأعلى من ناحية المشرق عن قتادة و مجاهد و الحسن «و ما هو على الغيب بضنين» أي ليس هو على وحي الله تعالى و ما يخبر به من الأخبار بمتهم فإن أحواله ناطقة بالصدق و الأمانة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و إبراهيم و الضحاك و من قرأ بالضاد فالمعنى أنه ليس ببخيل فيما يؤدي عن الله أن يعلمه كما علمه الله «و ما هو بقول شيطان رجيم» رجمه الله باللعنة عن الحسن و قيل رجم بالشهب طردا من السماء و المعنى و ليس القرآن بقول شيطان رجيم ألقاه إليه كما قال المشركون أن الشيطان يلقي إليه كما يلقي إلى الكهنة ثم بكتهم الله سبحانه فقال «فأين تذهبون» أي فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم عن الزجاج و قيل معناه فأين تعدلون عن هذا القرآن و هو الشفاء و الهدى «إن هو إلا ذكر للعالمين» معناه ما القرآن إلا عظة و تذكرة للخلق يمكنهم أن يتوصلوا به إلى الحق و الذكر هو ضد السهو و الذاكر لا يخلو من أن يكون عالما أو جاهلا أو مقلدا أو شاكا و لا يصح شيء من ذلك مع السهو الذي يضاد الذكر «لمن شاء منكم أن يستقيم» على أمر الله و طاعته ذكر سبحانه أنه ذكر لجميع الخلق على العموم ثم خص المستقيم لأن المنفعة راجعة إليهم كما قال إنما تنذر من اتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب «و ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين» فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه و ما تشاءون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله ذلك من حيث خلقكم لها و كلفكم بها فمشيئته بين يدي مشيئتكم عن الجبائي ( و ثانيها ) أنه خطاب للكفار و المراد لا تشاءون الإسلام إلا أن يشاء الله أن يجبركم عليه و يلجأكم إليه و لكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب و لا يريد أن يحملكم عليه عن أبي مسلم ( و ثالثها ) إن المراد و ما تشاءون الإسلام إلا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة لما في الكلام من معنى النعمة.