۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النبأ، آية ٤٠

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ٣٢ وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا ٣٣ وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا ٣٤ لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥ جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦ رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا ٣٨ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩ إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ لِلْمُتّقِينَ مَفَازاً (31) حَدَائقَ وَ أَعْنَباً (32) وَ كَوَاعِب أَتْرَاباً (33) وَ كَأْساً دِهَاقاً (34) لا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لا كِذّباً (35) جَزَاءً مِّن رّبِّك عَطاءً حِساباً (36) رّب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا الرّحْمَنِ لا يمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرّوحُ وَ الْمَلَئكَةُ صفّا لا يَتَكلّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَنُ وَ قَالَ صوَاباً (38) ذَلِك الْيَوْمُ الحَْقّ فَمَن شاءَ اتخَذَ إِلى رَبِّهِ مَئَاباً (39) إِنّا أَنذَرْنَكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظرُ الْمَرْءُ مَا قَدّمَت يَدَاهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يَلَيْتَنى كُنت تُرَبَا (40)

القراءة

قرأ الكسائي و لا كذابا بتخفيف الذال و الباقون بالتشديد و قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو رب السماوات بالرفع و الباقون بالجر و قرأ عاصم و ابن عامر و يعقوب و سهل الرحمن بالجر و الباقون بالرفع.

الحجة

و لا كذابا يجوز أن يكون مصدر كذب فيكون معناه و لا كذبا و يجوز أن يكون مصدر كاذبة مكاذبة و كذابا و بالتشديد قد يكون مصدر كذب قال الفراء قال أعرابي في طريق مكة يا با زكريا القصار أحب إليك أم الحلق يريد أقصر شعري أم أحلق و من قرأ رب السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن قطع الاسم الأول من الجر الذي قبله في قوله «جزاء من ربك» فابتدأه و جعل الرحمن خبره ثم استأنف «لا يملكون منه» و من قرأ «رب السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن» أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما في قوله «من ربك» و من قرأ «رب السماوات» الرحمن أتبع رب السماوات الجر الذي في قوله «من ربك» و استأنف بقوله الرحمن و جعل قوله «لا يملكون» خبر قوله «الرحمن».

اللغة

الحديقة الجنة المحوطة و الجمع حدائق و منه أحدق القوم بفلان إذا طافوا به و منه الحدقة لأنه يحيط بها جفنها و الأعناب جمع عنب و هو ثمر الكرم قبل أن يجف فإذا جف فهو الزبيب و الكواعب جمع الكاعب و هي الجارية التي نهد ثدياها و الأتراب جمع الترب و هي اللدة التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب بالتراب و الدهاق الكأس الممتلئة التي لا مزيد فيها و أصل الدهق شدة الضغط أدهقت الكأس ملأتها قال

يلذه بكأسه الدهاق و «عطاء حسابا» أي كثيرا كافيا يقال أحسبت فلانا أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي قال:

{و نقفي وليد الحي إن كان جائعا --- و نحسبه إن كان ليس بجائع}

قال الأصمعي يقال حسبت الرجل بالتشديد أي أكرمته و أنشد:

{إذا أتاه ضيفه يحسبه --- من حاقن أو من صريح يحلبه}

الإعراب

حدائق بدل من قوله «مفازا» بدل البعض من الكل و كذلك ما بعده و أترابا صفة لكواعب.

جزاء منصوب بمعنى أن للمتقين مفازا أي جازاهم بذلك جزاء و أعطاهم عطاء فإن معنى جازاهم و أعطاهم واحد يوم يقوم الروح ظرف لقوله «لا يملكون» و قوله «صفا»

منصوب على الحال «و يوم ينظر» ظرف لقوله «عذابا» لأنه بمعنى التعذيب.

المعنى

ثم عقب سبحانه وعيد الكفار بالوعد للمتقين الأبرار فقال «إن للمتقين» الذين يتقون الله باجتناب الشرك و المعاصي «مفازا» أي فوزا و نجاة إلى حال السلامة و السرور و قيل المفاز موضع الفوز و قالوا للمهلكة مفازة على طريق التفاؤل كأنهم قالوا و قيل مفازا منجى إلى متنزه و هو النجاة من النار إلى الجنة ثم بين ذلك الفوز فقال «حدائق و أعنابا» يعني أشجار الجنة و ثمارها «و كواعب أترابا» أي جواري تكعب ثديهن مستويات في السن عن قتادة و معناه استواء الخلقة و القامة و الصورة و السن حتى يكن متشاكلات و قيل أترابا على مقدار أزواجهن في الحسن و الصورة و السن عن أبي علي الجبائي «و كأسا دهاقا» أي مترعة مملوءة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل متتابعة على شاربيها أخذ من متابعة الشد في الدهق عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل دمادم عن أبي هريرة و قيل على قدر ريهم عن مقاتل «لا يسمعون فيها» أي في الجنة «لغوا» أي كلاما لغوا لا فائدة فيه «و لا كذابا» و لا تكذيب بعضهم لبعض و من قرأ بالتخفيف يريد و لا مكاذبة عن أبي عبيدة و قيل كذبا عن أبي علي الفارسي «جزاء من ربك» أي فعل بالمتقين ما فعل بهم جزاء من ربك على تصديقهم بالله و نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «عطاء» أي أعطاهم الله عطاء «حسابا» أي كافيا عن أبي عبيدة و الجبائي و قيل حسابا أي كثيرا و قيل حسابا على قدر الاستحقاق و بحسب العمل قال الزجاج معناه ما يكفيهم أي إن فيه ما يشتهون «رب السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن» مر ذكره و المعنى أن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو رب السماوات و الأرض و مدبرهما و مدبر ما بينهما و المتصرف فيهما على ما يشاء الرحمن المنعم على خلقه مؤمنهم و كافرهم «لا يملكون منه خطابا» أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه كقوله و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و قوله لا تكلم نفس إلا بإذنه و الخطاب توجيه الكلام إلى مدرك له بصيغة منبئة عن المراد على طريقة أنت و ربك قال مقاتل لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه «يوم يقوم الروح و الملائكة صفا» أي في ذلك اليوم اختلف في معنى الروح هنا على أقوال ( أحدها ) أن الروح خلق من خلق الله تعالى على صورة بني آدم و ليسوا بناس و ليسوا بملائكة يقومون صفا و الملائكة صفا هؤلاء جند و هؤلاء جند عن مجاهد و قتادة و أبي صالح قال الشعبي هما سماطا رب العالمين يوم القيامة سماط من الروح و سماط من الملائكة ( و ثانيها ) أن الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام و هو وحده

صفا و قامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفهم عن ابن مسعود و عن عطاء عن ابن عباس ( و ثالثها ) أن أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد عن عطية عن ابن عباس ( و رابعها ) أنه جبريل (عليه السلام) عن الضحاك و قال وهب إن جبرائيل (عليه السلام) واقف بين يدي الله عز و جل ترتعد فرائصه يخلق الله عز و جل من كل رعدة مائة ألف ملك فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسو رءوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا لا إله إلا أنت و قال صوابا أي لا إله إلا الله و روى علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال هو ملك أعظم من جبرائيل و ميكائيل ( و خامسها ) أن الروح بنو آدم عن الحسن و قوله «صفا» معناه مصطفين «لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن» و هم المؤمنون و الملائكة «و قال» في الدنيا «صوابا» أي شهد بالتوحيد و قال لا إله إلا الله و قيل إن الكلام هاهنا الشفاعة أي لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع عن الحسن و الكلبي و روى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن هذه الآية فقال نحن و الله المأذون لهم يوم القيامة و القائلون قال جعلت فداك ما تقولون قال نمجد ربنا و نصلي على نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) و نشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا رواه العياشي مرفوعا «ذلك اليوم الحق» الذي لا شك في كونه و حصوله يعني القيامة «فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا» أي مرجعا للطاعة و المعنى فمن شاء عمل عملا صالحا يؤوب إلى ربه فقد أزيحت العلل و أوضحت السبل و بلغت الرسل و المآب مفعل من الأوب و هو الرجوع قال عبيد

{و كل ذي غيبة يؤوب --- و غائب الموت لا يؤوب}

ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال «إنا أنذرناكم عذابا قريبا» يعني العذاب في الآخرة فإن كل ما هو آت قريب «يوم ينظر المرء ما قدمت يداه» أي ينتظر جزاء ما قدمه فإن قدم الطاعة انتظر الثواب و إن قدم المعصية انتظر العقاب و قيل معناه أن كل أحد ينظر إلى عمله في ذلك اليوم من خير و شر مثبتا عليه في صحيفته فيرجو ثواب الله على صالح عمله و يخاف العقاب على سوء عمله «و يقول الكافر» في ذلك اليوم «يا ليتني كنت ترابا» أي ليتمنى أن لو كان ترابا لا يعاد و لا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم قال الزجاج إن معنى «يا ليتني كنت ترابا» يا ليتني لم أبعث قال عبد الله بن عمر إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم و حشر الدواب و البهائم و الوحوش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء التي نطحتها و قال مجاهد يقاد يوم القيامة للمنطوحة من الناطحة

و قال المقاتلان إن الله يجمع الوحوش و الهوام و الطير و كل شيء غير الثقلين فيقول من ربكم فيقولون الرحمن الرحيم فيقول لهم الرب بعد ما يقضي بينهم حتى يقتص للجماء من القرناء إنا خلقناكم و سخرناكم لبني آدم و كنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا ترابا فتكون ترابا فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابا يتمنى فيقول يا ليتني كنت في الدنيا على صورة خنزير رزقي كرزقه و كنت اليوم أي في الآخرة ترابا و قيل إن المراد بالكافر هنا إبليس عاب آدم بأن خلق من تراب و افتخر بالنار فيوم القيامة إذا رأى كرامة آدم و ولده المؤمنين قال يا ليتني كنت ترابا.