۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الإنسان، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ٢٣ إلى ٣١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣ فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤ وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥ وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧ نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨ إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠ يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّا نحْنُ نَزّلْنَا عَلَيْك الْقُرْءَانَ تَنزِيلاً (23) فَاصبرْ لِحُكمِ رَبِّك وَ لا تُطِعْ مِنهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَ اذْكُرِ اسمَ رَبِّك بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (25) وَ مِنَ الّيْلِ فَاسجُدْ لَهُ وَ سبِّحْهُ لَيْلاً طوِيلاً (26) إِنّ هَؤُلاءِ يحِبّونَ الْعَاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نحْنُ خَلَقْنَهُمْ وَ شدَدْنَا أَسرَهُمْ وَ إِذَا شِئْنَا بَدّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتخَذَ إِلى رَبِّهِ سبِيلاً (29) وَ مَا تَشاءُونَ إِلا أَن يَشاءَ اللّهُ إِنّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) يُدْخِلُ مَن يَشاءُ فى رَحْمَتِهِ وَ الظلِمِينَ أَعَدّ لهَُمْ عَذَاباً أَلِيمَا (31)

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و ما يشاءون بالياء و الباقون بالتاء و في الشواذ قراءة عبد الله بن الزبير و أبان بن عثمان و الظالمون بالواو.

الحجة

وجه الياء قوله تعالى «فمن شاء اتخذ» و وجه التاء أنه خطاب للكافة أي و ما تشاءون الطاعة و الاستقامة إلا أن يشاء الله أو يكون محمولا على الخطاب و أما قوله و الظالمون فإنه على ارتجال جملة مستأنفة قال ابن جني كأنه قال الظالمون أعد لهم عذابا أليما ثم أنه عطف الجملة على ما قبلها و قد سبق الرفع إلى مبتدئها غير أن قراءة الجماعة أسبق و هو النصب لأن معناه و يعذب الظالمين فلما أضمر هذا الفعل فسره بقوله «أعد لهم عذابا أليما» و هذا أكثر من أن يؤتى له بشاهد قال الزجاج يقول النحويون أعطيت زيدا و عمرا أعددت له برا فيختارون النصب على معنى و بررت عمرا أعددت له برا و أنشد غيره:

{أصبحت لا أحمل السلاح و لا --- أملك رأس البعير إن نفرا} {و الذئب أخشاه إن مررت به --- وحدي و أخشى الرياح و المطرا}

اللغة

الأسر أصله الشد و منه قتب مأسور أي مشدود و منه الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدر قولهم خذ بأسره أي بشدة قبل أن يحل ثم كثر حتى صار بمعنى خذ جميعه قال الأخطل:

{من كل مجتنب شديد أسره --- سلس القياد تخاله مختالا}

الإعراب

قال الزجاج في قوله «و لا تطع منهم آثما و كفورا» أو هنا أوكد من الواو لأنك إذا قلت لا تطع زيدا و عمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص لأنك أمرته أن لا يطيع الاثنين و إذا قلت لا تطع منهم آثما أو كفورا فأو قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصي و أنهما أهل أن يعصيا كما أنك إذا قلت جالس الحسن أو ابن سيرين فقد قلت كل واحد منهما أهل أن يجالس قال البصير النحوي أو هذه التي للتخيير إذا قلت اضرب زيدا أو عمرا فمعناه اضرب أحدهما فإذا قلت لا تضرب زيدا أو عمرا فمعناه لا تضرب أحدهما فيحرم عليه ضربهما لأن أحدهما في النفي يعمم و ابن كيسان يحمل النهي على الأمر فيقول إذا قال لا تضرب أحدهما لم يحرم عليه ضربهما و إنما حرم في الآية طاعتهما لأن أحدهما بمنزلة الآخر في امتناع الطاعة له أ لا ترى أن الآثم مثل الكفور في هذا المعنى قال سيبويه و لو قال لا تطع آثما و لا تطع كفورا لانقلب المعنى إذ ذاك لأنه حينئذ لا تحرم طاعتهما كليهما.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن نفسه فقال «إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا» فيه شرف و تعظيم لك و قيل معناه فصلناه في الإنزال آية بعد آية و لم ننزله جملة واحدة عن ابن عباس «فاصبر» يا محمد على ما أمرتك به من تحمل أعباء الرسالة «لحكم ربك» أن تبلغ الكتاب و تعمل به و قيل أنه أمر لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر و إن كذب فيما أتى به و وعيد لمن كذبه «و لا تطع منهم» أي من مشركي المكة «آثما» يعني عتبة بن ربيعة «أو كفورا» يعني الوليد بن المغيرة فإنهما قالا له ارجع عن هذا الأمر و نحن نرضيك بالمال و التزويج عن مقاتل و قيل الكفور أبو جهل نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة و قال لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه فنزلت الآية عن قتادة و قيل إن ذلك عام في كل عاص فاسق و كافر منهم أي من الناس أي لا تطع من يدعوك إلى إثم أو كفر و هذا أولى لزيادة الفائدة و عدم التكرير «و اذكر اسم ربك بكرة و أصيلا» أي أقبل على شأنك من ذكر الله و الدعاء إليه و تبليغ الرسالة صباحا و مساء أي دائما فإن الله ناصرك و مؤيدك و معينك و البكرة أول النهار و الأصيل العشي و هو أصل الليل «و من الليل فاسجد له» دخلت من للتبعيض و المعنى فاسجد له في بعض الليل لأنه لم يأمره بقيام الليل كله و قيل فاسجد له يعني صلاة المغرب و العشاء «و سبحه ليلا طويلا» أي

في ليل طويل يريد التطوع بعد المكتوبة و روي عن الرضا (عليه السلام) أنه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية و قال ما ذلك التسبيح قال صلاة الليل «إن هؤلاء يحبون العاجلة» أي يؤثرون اللذات و المنافع العاجلة في دار الدنيا «و يذرون وراءهم» أي و يتركون أمامهم «يوما ثقيلا» أي عسيرا شديدا و المعنى أنهم لا يؤمنون به و لا يعملون له و قيل معنى وراءهم خلف ظهورهم و كلاهما محتمل ثم قال سبحانه «نحن خلقناهم و شددنا أسرهم» أي قوينا و أحكمنا خلقهم عن قتادة و مجاهد و قيل أسرهم أي مفاصلهم عن الربيع و قيل أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق و العصب عن الحسن و لو لا إحكامه إياها على هذا الترتيب لما أمكن العمل بها و الانتفاع منها و قيل شددنا أسرهم جعلناهم أقوياء عن الجبائي و قيل معناه كلفناهم و شددناهم بالأمر و النهي كيلا يجاوزوا حدود الله كما يشد الأسير بالقد لئلا يهرب «و إذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا» أي أهلكناهم و أتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم و لكن نبقيهم إتماما للحجة «إن هذه» السورة «تذكرة» أي تذكير و عظة يتذكر بها أمر الآخرة عن قتادة و قيل أن هذه الرسالة التي تبلغها «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» أي فمن أراد اتخذ إلى رضا ربه طريقا بأن يعمل بطاعته و ينتهي عن معصيته و في هذا دلالة على أن الاستطاعة قبل الفعل «و ما تشاءون إلا أن يشاء الله» أي و ما تشاءون اتخاذ الطريق إلى مرضاة الله اختيارا إلا أن يشاء الله إجباركم عليه و إلجاءكم إليه فحينئذ تشاءون و لا ينفعكم ذلك و التكليف زائل و لم يشأ الله هذه المشيئة بل شاء أن تختاروا الإيمان لتستحقوا الثواب عن أبي مسلم و قيل معناه و ما تشاءون شيئا من العمل بطاعته إلا و الله يشاؤه و يريده و ليس المراد بالآية أنه سبحانه يشاء كل ما يشاء العبد من المعاصي و المباحات و غيرها لأن الدلائل الواضحة قد دلت على أنه سبحانه لا يجوز أن يريد القبائح و يتعالى عن ذلك و قد قال سبحانه و لا يريد بكم العسر و ما الله يريد ظلما للعباد «إن الله كان عليما حكيما» مر معناه «يدخل من يشاء في رحمته» أي جنته يعني المؤمنين «و الظالمين» يعني و يجزي الكافرين و المشركين «أعد لهم عذابا أليما».